مرحلة جسّ النبض الاقليمية لإدارة أوباما قد تمتد أشهراً
واقع دولي ملائم لاستمرار الاستقرار اللبناني رغم هزّاته
ينقل عائدون من العاصمة الاميركية وعواصم اوروبية انشغالا متعاظما وشبه وحيد بالازمة المالية التي هزّت العالم والتي يخشى كثيرون ان تكون سببا لغياب اولويات سياسية عن جدول اهتمامات الدول الكبرى، خصوصا بمسائل حيوية للدول التي تحتاج الى متابعة دائمة لدى هذه الدول. الا ان واقع الامور ان هذا الانشغال لا يلغي الاهتمامات الاخرى، ومن دون اي تبدل او تغيير في المواقف الاستراتيجية من مسائل متعددة في المنطقة، دخلت، كما يقول هؤلاء، اطار الانتظار القسري منذ ما قبل حصول الانتخابات الرئاسية الاميركية. وشكل فوز المرشح الديموقراطي باراك اوباما عاملا اضافيا لتعميق حال الانتظار هذه، باعتبار ان ايا من الدول اللاعبة في المنطقة لا تملك اي مصلحة في الخربطة راهنا على رغم ان المرحلة الراهنة هي مرحلة ميتة وضائعة اذا صح التعبير في اشهر التسليم والتسلم في الولايات المتحدة بين الرئيس الحالي جورج بوش وخلفه المنتخب باراك اوباما. وينطبق هذا الواقع على اسرائيل كما ينطبق على كل من سوريا وايران وعلى الولايات المتحدة. ذلك ان اي خربطة، من أي من هذه الدول في منحى تعزيز الاوراق او المواقع تمهيدا للمرحلة المقبلة استباقا لتسلم اوباما، قد لا ينظر اليها نظرة ارتياح، بل على العكس من ذلك، وتالياً فمن المرجح ان يؤدي الى نتائج عكسية. فاي عمل يمكن ان يحدث خضات من اي نوع، قد يساهم في بدء علاقات متوترة بين عهد اميركي جديد وكل من الانظمة المعنية ولا سيما سوريا وايران في وقت تسعى الاخيرة الى ضمان انفتاح جديد من الولايات المتحدة عليها، وتتطلع الى بدء حوار جديد ستتجنب محاولة تعطيله بما يمكن ان يؤدي الى ذلك. ومعلوم ان سوريا ايضا تتطلع في الوقت نفسه الى رعاية اميركية للمفاوضات غير المباشرة بينها وبين اسرائيل واي عمل غير مطمئن خصوصا في اتجاه لبنان قد يعد في اطار الاشارات التعطيلية التي تجعل انطلاقة العلاقات صعبة بين الولايات المتحدة وسوريا مجددا، خصوصا ان الضربة الاميركية في منطقة البوكمال على الحدود مع العراق شكّلت رسالة واضحة في هذا الاطار عن عدم تغير الاهتمامات الاميركية في المرحلة الانتقالية بين ولايتين رئاسيتين جمهورية وديموقراطية.
وهذه هي الحال ايضا بالنسبة الى ايران التي تعمد الى جس نبض الرئيس الاميركي الجديد وتحاول استدراجه الى تعامل مختلف معها بناء على حوار مباشر بينهما، على ما فعل الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد في توجيه برقية الى الرئيس الاميركي المنتخب رمى منها الى استدراجه الى رد على ما وجد المحيطون باوباما ان الرئيس الايراني يسعى اليه، وهو يدرس اسلوب الرد لئلا يُفهم منه تبدل في السياسة الخارجية الاميركية في غير موقعه. ومرحلة جس النبض هذه قد لا تقتصر على الاشهر الفاصلة عن تسلم اوباما الحكم في الولايات المتحدة، بل قد تمتد الى بضعة اشهر اضافية قد تقل او تكثر وفقا للظروف، في انتظار اتضاح ملامح السياسة الخارجية التي سيعتمدها.
هذا الواقع هو من اسباب هدوء الوضع نسبيا في لبنان، وان لم يكن مريحا على نحو كلي او ما يفترض في بلد استعادت مؤسساته الدستورية العمل اخيراً، ذلك ان المجال يبقى متاحا امام بعض الحرتقات الداخلية او الاقليمية، انما من دون مفاعيل خطيرة على اي مستوى داخلي او خارجي، اقليمي او دولي. وهذه الحرتقات تشكل الترجمة العملية لتردي العلاقات السعودية – السورية اقليميا وحتى بين قوى اساسية في لبنان وسوريا، ولكن من دون تخطي الامور اطارا معينا يتجنبه الجميع، خصوصا الدول الاقليمية لعدم التعكير على الرئيس الاميركي الجديد واستهلال العلاقة معه في مواجهة من بداية عهده، على طريقة وضعه امام امر واقع جديد، ثم ان اي خضة اساسية كبيرة ومؤثرة ممنوعة ايضا في المنطقة. والحال نفسها تنطبق على اسرائيل لهذه الاسباب ولأسباب اخرى، في مقدمها انشغالها بانتخاباتها المرتقبة في شباط المقبل وبملفاتها الداخلية أيضاً، علما ان البعض يقول ان اسرائيل يمكن ان تعمد الى عمل عدائي على ابواب انتخاباتها كما تفعل في الغالب، لكن مصادر ديبلوماسية معنية تستبعد ذلك كليا لاعتبارات متعددة، بعضها يتصل على نحو اساسي بعدم قدرتها على خوض مغامرة حرب جديدة في ظل المسؤولين انفسهم عن الحرب السابقة على لبنان.
ولهذه العوامل جميعا فان اي جديد، يقول هؤلاء العائدون، لم يطرأ على مواقف المجتمع الدولي، بما فيه الدول المهتمة بلبنان والمتابعة للوضع فيه حيال اي مسألة تتعلق بالوضع اللبناني، أكان ما يتعلق بمزارع شبعا أم اي مسألة اخرى من الامور التفصيلية. وهذا الامر يمكن تلمسه في الامم المتحدة كما خارجها . لكن انتهاء مرحلة الانتخابات الاميركية حسمت في الوقت نفسه مراوحة بنيت على اساس ترقب اي رئيس اميركي سيتم انتخابه، ومن المتوقع اعادة إظهار الاهتمام كما في السابق، في وقت قريب، او هي بدأت فعلا، كما تقول مصادر ديبلوماسية معنية.