#adsense

المكابرة سلاح 8 آذار لتأوّل النتائج أم لإلغائها؟

حجم الخط

انتخابات "سياسية حكماً" إن فازت فيها "ونقابية صرف" لو خسرتها
المكابرة سلاح 8 آذار لتأوّل النتائج أم لإلغائها؟

عندما تخسر "قوى 8 آذار" أي جولة إنتخابية في كلّية أو في نقابة تندفع ماكنتها الدعائية بشكل سريع إلى حيث أقرب مكابرة. لا يهمّ الذريعة. المهمّ المكابرة. يمكن تهميش النتائج أو تجاهلها إذا استدعى الأمر. ويمكن أيضاً الهزء بها وإعتبارها غير ذي قيمة. ويمكن التشكيك في هويّة الذين فازوا ونسبهم بطريقة أو بأخرى للطرف الذي خسر. يقول الفائز أنا من 14 آذار، فيجيبه الخاسر: لا، لا، أنت منّي، أو في أقلّ تقدير أنت من المستقلّين.

أخيراً صار يمكن لـ 8 آذار الإعتراف بمستقلّين. كانت الحملة عاتية قبل أسابيع قليلة على مفهوم "الإستقلالية" في العمل السياسيّ. ثمة من شبّه المستقلّ بالمستقيل من الواجب الوطنيّ. الآن سحبت هذه المقولة من التداول.

التوجيه الدعائيّ هو نفسه في الجامعات أو في النقابات: تأويل الخسارة بما أوتي من أشكال حالما تحدث، بحيث تقدّم على أنّها كل شيء إلا خسارة. فالمعركة تكون "سياسية حكماً" إذا ما فاز المدعومون من "معارضة الثلث الضامن" لكنها تصير "نقابية صرف" إذا ما خسر هؤلاء. ليس هناك في دعاية 8 آذار من مجال حتى للقول بأننا خسرنا في كلية وسنربح في أخرى، أو خسرنا في نقابة وسنربح في أخرى. الخطابية قادرة على نفي أي خسارة.

واضح هنا أن التوجيه الدعائي خاضع للنموذج الكلاسيكي للحرب النفسية: ممنوع الإقرار بأي خسارة. كل خسارة يجري الإعتراف بها ولو بشكل مخفّف ستسهم في خلخلة المعنويات وتعريض صلابة الجبهة للإمتحان. النقد الذاتيّ محرّم في هذا المجال. إن كان من "نقد ذاتيّ" مسموح به داخل 8 آذار فهو دائماً على شكل مزايدات من نوع "لماذا لا نقتحم السرايا؟" أو "لماذا لم نعلّق المشانق؟" أو "لماذا نسمح لطلاب 14 آذار بالتعليم العالي"؟

صحيح أن الإنتخابات، أي انتخابات، تكسب أيضاً بالحملات الدعائية المتبارزة. لكن شرط ديموقراطية العملية الإنتخابية أن تختلف عمليات التأثير على الرأي العام خلالها عن الأشكال التي تمارس "الحرب النفسية" من خلالها. ليس من الديموقراطية عدم الإعتراف بالنتائج، وليس من الديموقراطية أيضاً عدم الإعتراف بالأبعاد السياسية للنتائج حتى لو كانت تعني كلية جامعية أو نقابة مهنيّة. وليس من الديموقراطية كذلك الأمر الحديث عن "مال سياسيّ" و"مال انتخابيّ" على مدار الساعة، في الوقت نفسه الذي يجري التباهي بصرف أنواع أخرى من المال. لكن يبدو أن ثمة من ينظر إلى تجربة "تلفزيون لبنان" في إنتخابات 2000 على أنها التجربة المثلى وأن 8 آذار قادرة اليوم على تكرار هذه التجربة بحجم أكبر بكثير وبإندفاع لا يضاهى.

وكان هان الأمر لو انحصرت المشكلة بنموذج "الحرب النفسية" المتبع لدى 8 آذار. الطامة الكبرى لدى 8 آذار بمجموعها، وليس فقط الطرف الأصولي الأكبر فيها، قد طوّرت نظرة لاهوتية إلى الفارق بين حظّها السعيد دوماً وحظ 14 آذار المفترض أنه تعيس على الدوام. ففي عرف 8 آذار أن الفريق الآخر هو صاحب المراهنات الخاسرة دوماً، وأنّ كل حدث يحصل في العالم إنما يعني نكسة أو نكبة لهذا الفريق. فإن نشبت حرب في القوقاز تجري المسارعة إلى توعّد هذا الفريق بمصير رفاقه في جورجيا، وإن انهارت أسواق المال يجري توعّد هذا الفريق بديكتاتورية البروليتاريا نسخة 7 أيّار، وإن فاز باراك أوباما في الإنتخابات الأميركيّة تتوجّه ماكنة 8 آذار بالسؤال المندهش لأخصامها السياسيين: أما انهارت أعصابكم بعد؟ العالم كلّه صار بين أيدينا وأنتم ما زلتم تراهنون؟

بخلاف 8 آذار، لا يمكن أن تنتهج 14 آذار السياسة الدعائية نفسها. في انتخابات المتن الفرعية في آب 2007 كان عليها الإعتراف بالنتائج رغم ضآلة الفارق ورغم التبدّل الواضح للأمزجة كما دلّت الأرقام. وحتى انتخابات نقابة محامي الشمال لم تتردّد 14 آذار في النظر إليه كدرس لا بدّ من العمل على تشرّبه والتعلّم منه. وجاءت الإنتصارات الإنتخابية النقابية أو الجامعية لتؤكّد أن النقد الذاتي يمكن أن يعطي دفعاً طالما أنّه حريص على المزيد من التوحيد السياسي للفريق الإستقلالي، ومزيد من الفاعلية السياسية بنتيجة هذا التوحيد.

بيد أن المكابرة صنفان. الصنف الأوّل ينفع في الإنتخابات الجامعية أو النقابية: انكار 8 آذار للتبعات السياسية للنتائج عندما تجيء مخيّبة لها. مثل هذا الصنف لا ينفع في الإنتخابات النيابية، مثلما لا ينفع سيناريو 2005، يوم ساند فرقاء من 8 آذار القوى الإستقلالية في بعض الدوائر واعتبروا أنفسهم بعد ذلك شركاء في أكثريتها يستطيعون أن ينكروها ساعة يشاءون.

لأجل ذلك فإن الخشية الكبرى من الصنف الثاني للمكابرة: الإطاحة بنتائج العملية الإنتخابية وليس فقط بالفحوى السياسية لهذه النتائج. هنا لن يواجه المرشّحون المنافسون بأنّهم ليسوا "أخصاماً" بل "مستقلّين"، إنما سيواجهون كما في كل مرة بوابل من التخوين، ودائماً بحسب الخبث إياه الذي يوزّع الأدوار على الماكنة: لهذا دائرة التخوين، ولذاك دائرة ترويج التخوين على قاعدة أن ناقل الكفر ليس بكافر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل