كل عام وأنتم في لبنان !
راجح الخوري
ماذا يعني نفاد الصبر امس عند الرئيس جورج بوش واليوم عند الرئيس نيكولا ساركوزي؟
عملياً لا يعني شيئاً. ليس لان الرئيس بشار الاسد يملك مخزوناً كبيراً من الصبر ويراهن على الوقت وتبدل الآراء والمصالح السياسية الدولية فحسب، بل لان القبائل اللبنانية المتصارعة تستطيع الانهماك في تدمير بلادها الى ان يحل اليأس في مكان الصبر عند الاميركيين والفرنسيين وغيرهم، وتستطيع بالتالي توفير الفرصة الملائمة تكراراً للصابرين في دمشق لفرض سياساتهم في لبنان!
عملياً لا يعني شيئاً. ليس لان الرئيس بشار الاسد يملك مخزوناً كبيراً من الصبر ويراهن على الوقت وتبدل الآراء والمصالح السياسية الدولية فحسب، بل لان القبائل اللبنانية المتصارعة تستطيع الانهماك في تدمير بلادها الى ان يحل اليأس في مكان الصبر عند الاميركيين والفرنسيين وغيرهم، وتستطيع بالتالي توفير الفرصة الملائمة تكراراً للصابرين في دمشق لفرض سياساتهم في لبنان!
وعندما يقول الرئيس حسني مبارك ان عدم وجود رئيس للجمهورية في لبنان “مصيبة”، فإن المصيبة الاعظم ان عدداً كبيراً من اللبنانيين، وبينهم موارنة “أقحاح” على ما يُزعم، لا يرون هذه “المصيبة” رغم انها من صنع ايديهم وسياساتهم والاوهام!
لقد كان الامر مثيراً قبل يومين، عندما وقف الرئيس الفرنسي في القاهرة ليكيل اتهاماً صريحاً لسوريا بأنها مسؤولة عن تعطيل الانتخابات الرئاسية في لبنان، وانه “لم يعد ممكناً الانتظار اكثر… وحان الوقت كي تثبت سوريا بالافعال ما لا تكف عن اعلانه في الخطب. وانه لن يُجري هو ومعاونوه اي اتصالات مع سوريا ما لم تقدم ادلة على رغبتها في انتخاب رئيس لبناني توافقي”!
ولكن هذا الكلام الفرنسي الذي يأتي بعد غزل طويل واتصالات رئاسية متلاحقة بين باريس ودمشق، يقودنا الى الاستنتاج الموضوعي الذي سبق ان اعلنه النائب وليد جنبلاط عندما تساءل اين يمكن صرف كلام بوش عند نفاد الصبر من سوريا. وفي الواقع يحق لنا الآن التساؤل:
اين وكيف يمكن صرف كلام ساركوزي وان يكن قد جاء مقترناً باشارات وايحاءات تتصل بموضوع “المحكمة الدولية” التي يقول انها “ليست مزحة وفرنسا مستعدة لدفع الاموال اللازمة لانشائها”؟!
قد يكون من المفيد الانتباه الى ان كلام الرئيسين المصري والفرنسي عن مشكلة لبنان واقفال مجلس النواب تعطيلاً للاستحقاق الرئاسي وعن دور سوريا في العرقلة، جاء متزامناً مع تصريحات السناتور الاميركي ارلين سبكتر وزميله النائب الديموقراطي باتريك كينيدي ومن دمشق تحديداً، حيث اعلن سبكتر الذي زار سوريا اكثر من عشر مرات ان الوزير وليد المعلم عرض عليهما “وثيقة” اعدها السوريون والفرنسيون “تشكل اساساً صالحاً لحل الوضع واجراء الانتخابات في لبنان”.
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد رغم ان سبكتر لا يعرف شيئاً عن حقيقة المواقف التي اتخذتها قوى المعارضة في لبنان لتحميل هذه الورقة ما لا يمكن ان تحمله او بالاحرى ما لم تتضمنه اصلاً، في محاولة ادت الى تخريب الوضع وتعميق المأساة.
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد رغم ان سبكتر لا يعرف شيئاً عن حقيقة المواقف التي اتخذتها قوى المعارضة في لبنان لتحميل هذه الورقة ما لا يمكن ان تحمله او بالاحرى ما لم تتضمنه اصلاً، في محاولة ادت الى تخريب الوضع وتعميق المأساة.
الوجه الآخر للمأساة كان ماثلاً في كلام سبكتر الذي اكمل على ما يبدو مرحلة التثقيف السياسي في دمشق، حيث لم يتوان عن القول انه فهم او بالاحرى أُفهم، انه “لا يمكن ان تكون في لبنان ديموقراطية مشابهة لتلك الموجودة في الولايات المتحدة. ونحن نريد التوصل الى ديموقراطية توافقية. الاكثرية لا يمكنها حكم لبنان بفاعلية من دون سائر الاطراف ومن هنا يجب ان يكون هناك توافق”.
طبعاً يحتاج سبكتر وامثاله الى دروس خصوصية اضافية في الثقافة السياسية على الاقل لمعرفة الوسائل والاساليب والمواقف التي تستطيع ان تجعل من شعار “التوافق” (وهو امر يريده كل مخلص في الدنيا وليس في لبنان وحده) موقفاً للتعطيل الذي يمكن ان يقود لبنان او اي دولة اخرى الى الضياع.
التوافق امر ممتاز عندما يكون مثل رقصة التانغو بين اثنين، اما عندما يكون ذريعة للتعطيل عبر دعوة الاكثرية الى الرضوخ والاستسلام لمشيئة المعارضة، فإنه يصير التخريب بعينه.
في اي حال يمكن ادخال سبكتر وزميله النائب كينيدي في صفوف 8 آذار من دون فحص. ولكن ما هو اهم من هذا، ان سوريا تنظر الآن بكثير من الاطمئنان الى الامور عندما توازن نفاد صبر ساركوزي بكلام سبكتر وشهاداته.
ولا ندري في الواقع ماذا سيكون في وسع اجتماع وزراء الخارجية العرب ان يقدم الى لبنان اذا كانت كل القوى الدولية والعربية، طبعاً، وضعت جهدها في معالجة الازمة المستعصية ولم تفلح.
ولا ندري في الواقع ماذا سيكون في وسع اجتماع وزراء الخارجية العرب ان يقدم الى لبنان اذا كانت كل القوى الدولية والعربية، طبعاً، وضعت جهدها في معالجة الازمة المستعصية ولم تفلح.
وقياساً بما جرى ويجري وراء قناع الديموقراطية التوافقية حتى الآن، فإننا بتنا في وضع الفالج الذي لا يمكن ان يفضي إلاّ الى امرين:
اما الفراغ ومن بعده الفوضى والعودة الى المتاريس، واما الذهاب الى صيغة جديدة لترتيب وضع العصفورية اللبنانية حيث بات من الواضح تماماً ان هناك من يريد المثالثة بدلاً من المناصفة. وفي المثالثة ابواب كثيرة للتعطيل وربما بسهولة أكثر.
مع نهاية سنة مفعمة بالدم والمآسي والجنون، اذا كان قد بقي عند القبائل اللبنانية شيء من العقل، يفترض سحب هذا الوطن المريض من المشرحة الدولية والعربية ايضاً والاتفاق على معالجته بين ابنائه.
ولعل المعايدة الابلغ في هذا اليوم هي: كل عام وانتم في وطن اسمه لبنان.
ولعل المعايدة الابلغ في هذا اليوم هي: كل عام وانتم في وطن اسمه لبنان.