#dfp #adsense

تانغو الخوف

حجم الخط

تانغو الخوف

نديم قطيش

    

ينتهج كل من “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” سياسة تضليلية في مقاربتهما للأزمة السياسية الراهنة عبر الرقص البهلواني المتعمد بين عدد من المفاهيم السياسية والمؤسسية، أبرزها مفهوها الأكثرية والتوافق. وعليه يلج كل منهما باب الأزمة السياسية على وقع أهداف محددة وإن غير معلنة على الدوام، موظفاً في سبيل ذلك الحجة ونقيضها.


على هذا النحو لا يتردد “حزب الله” في المجاهرة بضرورة منح المعارضة حصة حكومية توازي حصتها النيابية وفق نسب مئوية دقيقة، دقة المعادلات الكيميائية، في حين يطعن طعناً بيّناً في أي مسلك تسكله الغالبية ويُشتم منه رائحة أكثريةً، بحجة أن ديموقراطية لبنان توافقية. هكذا يصير على الغالبية أن تُسقط غالبيتها وما يترتب عليها من سلوك “أغلبي”، تجيزه الديموقراطية وتنهض عليه، حين لا تروق للمنظمة الخمينية مسالك الديموقراطية، كما يصير عليها أن تنزل منزلة الديموقراطية نزولاً صارماً فور إفتاء قيادة الحزب به.


أما حين تلوح فرصة للحزب يظنها ملائمة لحشر خصومه في خانة تبعات الديموقراطية في مجتمع مركب كالمجتمع اللبناني، تراه يشحذ شفرة التهويل بالعددية ما قبل السياسية وافدا الى السياسة والشأن العام من الرحم الشيعية الولاّدة. هنا يذهب الحزب، الى الأكثرية بصفتها معطى بيولوجيا لا سياسيا خالطاَ خلطاً مريعا بين الديموقراطية والديموغرافيا ومحيلاً الأولى من كونها حزمة قيم وطرائق عيش وزوايا نظر الى الإنسان ومعاشه الى مجرد “تقنية” باردة يترجمها الإقتراع الجماعي على وقع التحشيد والرص. وإذ يستعين “حزب الله” بالإلتفاف والمواربة على رقصه بين المفاهيم يصوغ “التيار الوطني الحر” رقصته في قالب تنظيري إختزالي لطالما إستحوذ على العقل العسكري حين يخوض غمار السياسة. فالتيار، إذ يطعن بإيديولوجيا الأكثرية لمصلحة المنطق التوافقي، في وثيقة الثوابت المسيحية، يعود ويشدد على حتمية أن يناط بصاحب الغالبية على مستوى الطائفة إدارة شؤون الجماعة الأهلية والنطق بلسان أحوالها. وإذذاك لا يجوز أن يناقش صاحب “الأكثرية الأهلية” في صفته التمثيلية الملزمة للآخرين على المستوى الوطني في معزل عن مدى اتساع رقعة تحالفاته السياسية أو ضيقها. هكذا يصير إندراج الأقلية الأهلية (مسيحيي 14 آذار) في إطار سياسي وطني اعم وأشمل، تصدر عن التئام عناصره أكثرية مؤسسية، مادة للطعن والإستنكار وسبباً للرمي بتهمة الإلتحاق، ولا يعود يهم حينها فشل العماد عون في توسيع رقعة ائتلافه السياسي توسيعاً يضمن له أكثرية برلمانية توصله الى الرئاسة. ويذهب التيار “العلماني” مذهب الحزب في الإستعانة بـ”الأهل” على المؤسسات ومترتبات العمل الديموقراطي، بل إنه ، على مستوى الترميز، يعود الى مشترك أهلي مسيحي سابق على فكرة الدولة حين يرفع “السمكة” شعاراً تحتشد تحته الجماهير وهي تتلقى تعاليم الثوابت المسيحية.


ولئن جاز القفز فوق “المنطق المركب” لنظرية العماد بإعتبارها وجهة نظر لصاحبها أن يفكر كما يشاء، يحق للمراقب أن يطالب الجنرال بإنهاض القول السياسي على وحدة منطقية غير إنتقائية. فحين يتحصن الجنرال بـ”الأهل” وعديدهم ويطعن بتمثيلية بقية النواب المسيحيين ممن خالط الصوت المسيحي الممنوح لهم صوت غير مسيحي، لا يحق له، وفق منطقه، أن يطرح الإنتخاب عبر الشعب، لأنه حينذاك يتيح لشريحة غير مسيحية أوسع أن تشارك في إنتاج الممثل الأول لـ”الكانتون الأهلي” في الدولة المركزية.


وإزاء هذا الرقص البهلواني بين المفاهيم السياسية، يجمع “حزب الله” و”التيار الوطني” الحر سياق آخر يتصل بالممارسة السياسية القائمة على إخافة الجماهير إخافة تعميها عن ثقوب الخطاب السياسي. فللطائفة الشيعية قيل ذات يوم إما أن تكونوا جماهير في دولة المقاومة أو ماسحي أحذية في دولة السنيورة، وللمسيحيين يقال يومياً إن وجودكم يمر من الرابية العصية على الإستئثار بمواقع المسيحيين مروره بالقراءة الصادقة لوثيقة التفاهم مع “حزب الله”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل