ساركوزي والنظام السوري
رندة تقي الدين
رندة تقي الدين
بدأت 2008 مع اعلان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من القاهرة عشية رأس السنة أنه ومعاونوه قطعوا الاتصالات بالنظام السوري طالما ليس هناك رئيس توافقي في لبنان. جاء بعد ذلك رد سوري سريع عن طريق وكالة أنباء سانا بأن أمين عام قصر الرئاسة الفرنسية كلود غيان اتصل بوليد المعلم. ثم نفى وزير الإعلام السوري ما قاله ساركوزي وكأنه أعلم من الرئيس الفرنسي بأن فرنسا مستمرة في العمل مع سورية. ولكن واقع الحال أن غيان اتصل بالمعلم ليبلغه أن المبادرة الفرنسية توقفت لأنه خاب أمل فرنسا وللصبر حدود. فساركوزي قال بكل صراحة أمام الرئيس المصري حسني مبارك أنه لم يتأسف لكونه تكلم عن الأسد. فكانت مبادرته بنية طيبة وقد حاول بالفعل بذل كل الجهود لحل أزمة لبنان واقناع سورية بأن من مصلحتها أن تعترف باستقلال لبنان. ولكن مناورة المسؤولين السوريين أفقدته صبره! فكلام ساركوزي في القاهرة كان معبراً وصريحاً وواضحاً. أراد أن يكون للبنان رئيس توافقي.
وقد تم الاتفاق على العماد ميشال سليمان الذي كان مبدئياً مقبولا من جميع الجهات. ولكن بدأ حلفاء سورية بوضع الشروط التعجيزية لمنعه من الوصول الى الرئاسة. فالعماد ميشيل سليمان لم يكن مرشحا ضد سورية. فهو كان دائماً على علاقة جيدة معها حتى ان الرئيس السوري كان أكد لأكثر من زائر تأييده لترشيحه للرئاسة. ولكن كل من عرف سليمان وهم كثر في العالم العربي، في طليعتهم وزير عربي مهم يعرف لبنان جيداً، يقولون عنه إنه رجل وطني ولاؤه الأول لبلده وهو غير تابع لأي نظام ولا يقبل بشروط يضعها عليه حلفاء دمشق بل هو مستاء من المعارضة ومن مواقفها المعطلة. فعندما قدم اليه حليف أساسي لدمشق بعد التنسيق مع حزب الله مطالباً للمعارضة بالحق في القرار بتعيين قائد الجيش والأمنيين في الجيش، رفض سليمان الشروط المسبقة طالباً أن يجري مثل هذا البحث بعد تسلمه الرئاسة. فشككت سورية بعد ذلك بالمرشح سليمان لأنه لن يكون إميل لحود آخر. فسورية تتطلع الى عودة لحود آخر يعيدها بقوة ونفوذ تام الى الساحة اللبنانية. ولذلك فمسيرة تعطيل مجيء سليمان الى سدة الرئاسة مستمرة. ورئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كما قال الرئيس المصري يغلق المجلس النيابي ويؤجل جلسة انتخاب من أسبوع الى أسبوع، ينفذ خطة النظام في دمشق. ففرنسا حاولت اقناع سورية بضرورة ترك لبنان ينتخب رئيسه.
والرئيس الفرنسي الجديد جديد على الساحة الشرق الأوسطية رغم أنه محاط بفريق ديبلوماسي ماهر يقدره السفير جان دافيد ليفيت الذي هو من أفضل ديبلوماسيي الخارجية وكان سفيراً لفرنسا في الأمم المتحدة ثم في واشنطن عندما تم تبني القرار 1559. فهو خبير في شؤون المنطقة. ولكن ساركوزي أراد التأكد بنفسه ما اذا كانت سورية ستتجاوب مع التحرك الفرنسية عبر حلفائها على الأرض في لبنان وعبر مناوراتها المعطلة. ووزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير وهو مقرّب وصديق للرئيس كان أول من أدرك ذلك علماً أنه حاول في البداية جمع كل الأطراف في لبنان. ولكنه رأى ان الاغتيالات استمرت وعرف من أين أتى التعطيل، وهو مثل رئيسه يتكلم بصراحة بعيداً عن اللغة الخشبية. فقد دان النظام السوري للتعطيل وأدرك أن الانفتاح إزاءه كان عقيماً بل أنه أعطاه انتعاشا دوليا دون الحصول على أي شيء في المقابل. فهكذا انتهت الأمور الى استنتاج ساركوزي بأنه حاول وسورية لم تكن صادقة بل خذلته.
وللمرة الأولى ربط الرئيس الفرنسي انشاء المحكمة بالضغط على سورية فهو يعرف أن هذا هو هاجس دمشق. وساركوزي لا يضيّع وقته. فهو رئيس مستعجل لإيجاد الحلول ومستعجل لتنفيذ اصلاحاته والحصول على ما وعد به. وهو لا يحبّذ من لا يصدق معه ويخذله ويفشّل تحركاته. فالنظام السوري يأخذ كل وقته وهو عازم على استمرار الفراغ في لبنان ربما حتى الانتخابات التشريعية المقبلة كي ينصّب العماد ميشال عون رئيساً لأنه مرشحه الوحيد الآن لأن حلفاء سورية على الأرض ضمنوه من أجل عودة النفوذ السوري الكلي في لبنان.
فالسؤال اليوم المطروح أمام مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي دعا اليه عمرو موسى: هل يقرر نقل القمة العربية الى القاهرة مركز الجامعة العربية في غياب رئيس للبنان وغياب اجماع عربي على عقدها في دمشق؟ يصعب التوقع بأن تعقد القمة في دمشق ولبنان دون رئيس. فساركوزي يزور السعودية في 13 كانون الثاني (يناير) ويلتقي العاهل السعودي وولي العهد ومن المتوقع أن يهيمن الموضوع اللبناني على المحادثات السياسية بينهم مثلما حدث في مصر مع الرئيس مبارك