اذا كانت سوريا تريد فعلاً قيام دولة قوية في لبنان
تنفيذ القرار 1701 الطريق لتحويل الأقوال الى أفعال
يخشى اللبنانيون الذين يتوقون الى قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل اراضيها، فلا تكون سلطة غير سلطتها وقانون غير قانونها، أن يكون مصير تنفيذ القرار 1701 كمصير القرارات الدولية السابقة اذا لم يتعاون جميع الأطراف المعنيين على تنفيذه، لأن لبنان ليس قادرا وحده عل ذلك، اذ ان اسرائيل ظلت ترفض تنفيذ القرار425 سنوات عدة الى ان اضطر لبنان الى تنفيذه بقوة المقاومة المسلحة وارغم اسرائيل على الانسحاب من مجمل الاراضي اللبنانية التي تحتلها الى ما وراء الخط الازرق الذي رسمته الامم المتحدة ونشرت قوات دولية في الجنوب لحمايته من انتهاك اي طرف له. ورفضت سوريا مساعدة لبنان على تنفيذ القرار 1559 فلم تسحب قواتها من كامل اراضيه، ولا احترمت الدستور اللبناني في الانتخابات الرئاسية، بل عمدت الى خرقه بالتمديد للرئيس اميل لحود ثلاث سنوات، ولا ساعدت على حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها الى الدولة، الامر الذي جعل تنفيذ هذا القرار يتم بانتفاضة شعبية عرفت بثورة الارز التي اشعلها اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه فاضطرت سوريا الى سحب قواتها من لبنان تحت ضغط هذه الانتفاضة وفازت قوى 14 آذار بالاكثرية النيابية التي ظلت سوريا ترفض الاعتراف بها وتضع في طريق حكمها العراقيل، وتخلق لها الارباكات الامنية من خلال سلسلة التفجيرات والاغتيالات مما جعل العلاقات بين البلدين تسوء وتتوتر.
الى ذلك، فان السؤال المهم المطروح الآن وقبل اي سؤال آخر هو: هل تريد سوريا، تأكيدا لحسن نياتها حيال لبنان وتوصلا الى اعادة بناء الثقة، وطي صفحة الماضي بفتح صفحة جديدة ترسي العلاقات بين الدولتين على اسس واضحة وسليمة وعلى الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال كل منهما؟
يقول مسؤول سابق ان سوريا اذا كانت تريد فعلا فتح صفحة جديدة مع لبنان، فما عليها بعد موافقتها على اقامة تمثيل ديبلوماسي معه، الا ان تساعده على تنفيذ القرار 1701 لأن بتنفيذه تقوم الدولة القوية القادرة فيه. وليس مطلوبا من اسرائيل، وهي الدولة العدوة، ان تكون البادئة بتنفيذ هذا القرار لأنه قد لا يكون في مصلحتها ان تقوم في لبنان دولة قوية ولا ان تكون واحدة موحدة ارضا وشعبا ومؤسسات كي يظل ساحة مفتوحة للصراعات المحلية والعربية والاقليمية والدولية ولتدخُّل كل خارج، تحقيقا لاهدافه ومشاريعه، انما المطلوب من الدولة الشقيقة سوريا ان تكون هي البادئة في مساعدة لبنان على تنفيذ القرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 خصوصا بعدما اعلن الرئيس الاسد نفسه للرئيس سليمان ان موضوع الحشود والتحركات العسكرية السورية على الحدود مع لبنان يندرج ضمن التدابير نفسها المتخذة منذ فترة لمنع التهريب وهي تدابير متفق عليها في البيان اللبناني السوري المشترك اثر القمة الاخيرة، وهي كذلك تتلاءم مع مندرجات القرار 1701. وقد رحب الرئيس السنيورة بهذا الموقف لأن تطبيق هذا القرار كاملا ووضع مزارع شبعا في عهدة الامم المتحدة يؤديان الى بسط سلطة الدولة على اراضيها ويؤسسان لإعادة العمل بـ"الهدنة".
لكن لا شيء يدل حتى الان على ان سوريا مستعدة لأن تساعد لبنان على تنفيذ القرار 1701 ما دام السلاح يتدفق على لبنان وتحديدا على "حزب الله" عبر حدودها وهو ما اكدته وتؤكده تقارير الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون وهو ما جاء في التقرير الاخير له، ولا شيء يدل حتى الان على ان اسرائيل يهمها تنفيذ هذا القرار، اذ ان طائراتها الحربية لا تزال تخرق الاجواء اللبنانية بحجة انها تراقب نشاط "حزب الله" وحجم تسلحه ولا هي انسحبت من قرية الغجر ولا من مزارع شبعا تمهيدا لوضعها في عهدة الامم المتحدة.
الواقع، انه كما ان لبنان لم يستطع ان يقيم الدولة القوية القادرة الواحدة الموحدة عندما كانت اسرائيل تحتل جزءا من اراضيه وترفض تنفيذ القرار 425، فكانت النتيجة ان لبنان تحول ساحة لحروب داخلية، وصفت بـ"حروب الآخرين على ارضه" واصبحت هذه الساحة منطلقا لعمليات فدائية تقوم بها الفصائل الفلسطينية المسلحة الموجودة في لبنان بحيث عرَّضت هذه العمليات لبنان لاجتياحات اسرائيلية عدة بلغ احدها العاصمة بيروت فهجرت اللبنانيين لا سيما منهم ابناء الجنوب اكثر من مرة من قراهم، وادى هذا الوضع الشاذ الى تلزيم امن لبنان لسوريا طيلة سنوات وذلك بفرض حكم الوصاية عليه، يخشى ان يعود لبنان الى هذا الوضع اذا لم يتم تنفيذ القرار 1701 تنفيذا دقيقا كاملا. فاذا كانت سوريا تريد فعلا لا قولا قيام دولة قوية في لبنان تكون قوة لها، فان هذا لا يكون بمجرد اقامة تمثيل ديبلوماسي معه، بل بالمساعدة على تنفيذ هذا القرار، وان على الدول الشقيقة والصديقة للبنان والتي يهمها قيام هذه الدولة فيه ان تمتحن نيات سوريا حيال تنفيذ القرار 1701 وذلك بجعلها توقف تدفق الاسلحة عبر حدودها الى"حزب الله" كي لا تظل اسرائيل تتذرع بذلك لتبرير خرق اجواء لبنان بطائراتها، خصوصا انها تفتش عن ذريعة تبرر عدم تنفيذ هذا القرار الذي تعتبره ساقطا بعدما اعطى البيان الوزاري للمقاومة حق تحرير ما تبقى من اراضي لبنان المحتلة.
المطلوب اذاً من سوريا اعطاء جواب واضح وصريح حول مدى استعدادها للمساعدة على تنفيذ القرار 1701 قبل اي امر آخر، لأن من خلال تنفيذه تقوم الدولة اللبنانية القوية القادرة على بسط سلطتها وقوانينها على كل اراضيها، وان لا قيام لهذه الدولة مع عدم تنفيذ هذا القرار الذي يستأهل تنفيذه عقد قمة ثانية لبنانية – سورية تخرج بمقررات مهمة تجعل العلاقات بين البلدين مميزة وممتازة فعلا لا قولاً، الا اذا كانت سوريا لا تريد تنفيذ هذا القرار الا بعد الانتخابات النيابية المقبلة على امل ان تفوز قوى 8 آذار والمتحالفين معها بأكثرية المقاعد في مجلس النواب العتيد، ولكي يكون تنفيذ هذا القرار ورقة ضغط ومساومة في يدها خلال مفاوضاتها مع اسرائيل، ولكي يأتي تنفيذه خدمة للدولة التي تحكمها هذه الاكثرية لأنها تكون الدولة التي تثق بها سوريا وتطمئن الى اعمالها…
لذلك، فان المطلوب من الزعماء خصوصا ومن اللبنانيين عموما في الانتخابات المقبلة ان يــجــيــبوا ليس على سؤال اي لبنان نريد فــقــــط بــل هــل نــريــد لبــنان دولــة ام ســاحــة ام دويــلات؟ وكــيــف تكــون هــذه الــدولة ومتى؟