#adsense

زيارة عون لسوريا تصبح مجدية بعد المصالحة المسيحية

حجم الخط

وسط الجدل الكثيف الذي أثارته بتوقيتها وظروفها وأهدافها
زيارة عون لسوريا تصبح مجدية بعد المصالحة المسيحية

استغرب عوني سابق ان تثير زيارة العماد ميشال عون الى سوريا الجدل او الاستهجان لدى البعض مع ان هذه الزيارة باتت طبيعية بعدما سبقها اتفاق بينه وبين القيادة السورية عندما كان في باريس بواسطة اصدقاء مشتركين على شروط عودته الى لبنان، واهمها عدم تحالفه مع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط في انتخابات 2005، فعمد تبريرا لذلك الى رفع سقف شروطه عند البحث معه في تشكيل اللوائح، كما اشترط لمشاركته في "لقاء البريستول" ان يصدر بيان عنه يدعو الى نزع سلاح "حزب الله".

واذا كانت القاعدة السياسية تقول "ان لا عداوات دائمة بل مصالح دائمة، فان العماد عون يطبق هذه المقولة، حتى وان مشى بمحازبيه ومناصريه عكس السير. فكما انه كان خصما لسوريا بلغ حد شن ما عرف بـ"حرب التحرير" ضد وجود قواتها العسكرية في لبنان، وهي حرب كانت عبثية ولم تحقق هذا التحرير بل حققت الخراب والدمار في لبنان، فانه يرى بعد ان انسحبت قواتها من لبنان تحت ضغط "ثورة الارز" الشعبية، ان يفتح صفحة جديدة معها. وكما انه كان صديقا لاميركا فأصبح خصما لها، مثلما كان بعض اركان قوى 14 آذار اصدقاء وحلفاء لسوريا فأصبحوا خصوما لها، فإن من حقه ان يصبح صديقا لسوريا بعد ان كان خصما لها.

لكن العوني السابق يقول انه ليس ضد زيارة سوريا، وهو ليس ضد تغيير المواقع ولكن من دون تغيير المواقف، فأركان قوى 14 آذار الذين كانوا مع سوريا اصبحوا ضدها بسبب تدخلها السافر في شؤون لبنان الداخلية واساءة معاملتها فئة من اللبنانيين وزعماءها، وبسبب اتهامهم اياها بأنها وراء سلسلة التفجيرات والاغتيالات في لبنان، وقد ناصبتهم سوريا العداء عندما انضموا الى المطالبين بانسحاب قواتها من لبنان بغية استعادة السيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر، فالتقى اركان قوى 14 آذار مسيحيين ومسلمين على المطالبة بذلك، والا لما كان هذا الانسحاب قد تم وصار شعارهم "لبنان اولا".

اما العماد ميشال عون فقد تحول من خصم لسوريا الى صديق لها، مغيّراً مواقفه وليس مواقعه فقط، اذ انه تحالف مع قوى 8 آذار من دون ان تغير هذه القوى موقفها من سوريا، فظلت تدعو الى بقاء قواتها في لبنان وتقيم مهرجان الوفاء لها عندما اضطرت الى سحبها ولم تضع الولاء للبنان فوق كل ولاء…

ويأخذ العوني السابق على العماد ميشال عون تفويته فرصا عدة لانقاذ لبنان واخراجه من ازماته التي كان يتخبط فيها بفعل تدخل الخارج ولا سيما سوريا وايران، فقد كان في امكانه بعدما فاز في انتخابات 2005 فوزا كبيرا، وصار له كتلة من 22 نائبا، ان يجعل هذه الكتلة تلعب دورا مستقلا عن الكتل الاخرى وتحديدا عن 8 و14 آذار وتكون هي الوازنة بينهما لمصلحة لبنان وليس لمصلحة احد سواه، وكان في استطاعته مع لعب هذا الدور ان يطرح نفسه مرشحا توافقيا للرئاسة الاولى حتى اذا لم يلاق التأييد المطلوب، عمد الى طرح اسم المرشح المقبول به شرطا لتوفير نصاب الثلثين، فيخرج لبنان عندئذ من ازمة الانتخابات الرئاسية. لكنه، بكل اسف ظل يعتبر نفسه "الملك الذي لا يرضى ان يصنع الملوك" كما قال، فشارك في لعبة تعطيل هذه الانتخابات، وجعل هذه الازمة تعيش ستة اشهر، وعوض ان يلجأ الى مجلس النواب، اي الى المؤسسة الدستورية، لمحاسبة الحكومة وحجب الثقة عنها. لجأ مع قوى 8 آذار الى الشارع والى اعتصام دام اكثر من سنة ونصف في الوسط التجاري، فألحق ما الحق بالوطن والمواطن من اضرار اقتصادية ومالية جسيمة، وجعل من المطالبة بالثلث المعطل في الحكومة قاعدة تلجأ اليها كل معارضة لعرقلة تشكيلها، كما جعل من هذا الثلث قاعدة او عرفا لتعطيله كل انتخاب رئاسي.

وعندما حصل شبه اجماع محلي وعربي واقليمي ودولي على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، ظل العماد ميشال عون يشارك في لعبة تعطيل النصاب مع نواب قوى 8 آذار ولم يتأمن هذا النصاب الا بضغط خارجي وبعد اجتماع عقد في الدوحة، في حين انه كان في امكان تكتل "التغيير والاصلاح" برئاسة العماد عون ان يطلق ترشيح العماد سليمان من هذا التكتل القادر على تأمين النصاب المطلوب من دون حاجة الى الدوحة وغير الدوحة ويضطلع بمسؤولية اخراج لبنان من الازمة ويصارح حلفاءه في قوى 8 آذار بموقفه الوطني هذا حتى ولو اضطر الى الانفكاك عن هذه القوى من اجل لبنان.

اما وقد حصل ما حصل، فان فرصة جديدة متاحة للعماد ميشال عون لمناسبة زيارته دمشق كي يضع العلاقات اللبنانية – السورية، وتحديدا العلاقات السورية – المسيحية على الطريق الصحيح وذلك بأن يقوم بهذه الزيارة بعد ان تكون قد تحققت المصالحة المسيحية – المسيحية الشاملة وتحديدا المصالحة بين سليمان فرنجيه وسمير جعجع بحضوره ورعايته بحيث يزور عندئذ دمشق ويجعل مسيحيي الشرق يشعرون بالارتياح لوحدتهم وليس بالقلق لاستمرار انقسامهم كي يحاور القيادة السورية حول كثير من الامور التي تعني اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا. مثل قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، فتسلمهم له كما سلمت اسرائيل "حزب الله" الاسرى اللبنانيين في سجونها، ومثل ترسيم الحدود بين البلدين ولا سيما في مزارع شبعا للتمكن من وضعها في عهدة الامم المتحدة بعد انسحاب اسرائيل منها، ومثل المساعدة السورية على ازالة الاسلحة الفلسطينية خارج المخيمات والعمل على ضبطها في داخلها فلا يظل لبنان وحده يتحمل وزر عدم حل القضية الفلسطينية، ومثل وقف التهريب والتسلل على الحدود المشتركة من اجل مكافحة الارهاب، ووقف تدفق السلاح عبر هذه الحدود على لبنان وتحديدا على "حزب الله" توصلا الى احراج اسرائيل وحملها على تنفيذ القرار 1701 الذي يؤدي تنفيذه كاملا الى اقامة الدولة اللبنانية القوية القادرة، وعندها لا تعود حاجة الى وجود مقاومة ولا الى سلاح في يد فئة من دون فئة اخرى. اذ تصبح مسؤولية الدفاع عن لبنان ضد اي اعتداء من مسؤولية الدولة والشعب كل الشعب، وليست من مسؤولية فئة، فيسود عندئذ المناخ الملائم لنجاح مفاوضات السلام مع اسرائيل.

وامل العوني السابق ان يتحقق كل ذلك من خلال زيارة العماد ميشال عون لسوريا، كي توصف هذه الزيارة عندئذ بأنها زيارة تاريخية فعلا لا قولا ولها اهداف وطنية وليس لها اهداف شخصية ومصلحية تصب في خدمة فئة ضد فئة اخرى…

المصدر:
النهار

خبر عاجل