"وول ستريت"… مهينة!
على افتراض أن واقع الزعامات السياسية في لبنان، بما آل اليه في هذا الزمن، يبيح للزعيم أن يبرز "مواهبه" الخطابية كيفما يحلو له ما دامت الجماهير تمحضه وكالة على بياض من دون رفة جفن، فهل يكفي ذلك وحده لاهانة مجموع اللبنانيين على النحو الذي بدأ يصبح نمطا مثيرا للريبة في الآونة الاخيرة؟
لم تمر انتخابات في تاريخ لبنان الحديث من دون "فولكلور" ملازم لها في الكلام على الرشاوى والزفت والخدمات وما اليها من سائر مشتقات الكلام الفواح الذي غالبا ما يعكس "تقاليد" و"قوانين" موغلة في الواقعية الفجة لأن الكثير من هذا الكلام ينطبق على الحقيقة. إذا هي آفة اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية من الدرجة الاولى لا مجال لإنكارها ولا سبيل الى مكافحتها إلا "من فوق"، أي من هيكل الدولة ومجموع الطبقة السياسية أولا.
لكن الامر يختلف هذه المرة مع طوفان كلامي استباقي بدأ يرسم المشهد الشعبي والسياسي في لبنان كأنه مقبل على حرب مالية غير مسبوقة، بل قل على بورصة فساد مفتوحة على الغارب يتساوى فيها مجموع اللبنانيين بلا تمييز في تصدير احدى أبشع "الخصائص" عنهم الى العالم.
يأتي هذا الطوفان الاتهامي المعمم على سائر اللبنانيين على ألسنة زعامات وسياسيين في سياق حمى من الاحقاد ورغبة جارفة في تصفية الحسابات والغاء الآخر إلغاء منهجيا، دونما أي تبصر في العواقب الوخيمة والخطيرة لتصوير القواعد الناخبة "قطعان ناس" نهمة الى الرشوة وبيع الضمائر حتى في معزل عن واقع "قطعنة" الفرز السياسي والطائفي.
ومن يمعن النظر في الكلام المنهال من هنا وهناك، عبر اتهامات ورد اتهامات وقصف بالفواح من النعوت وقصف بما يماثله، يخال ان لبنان ليس مقبلا على انتخابات مقدار إقباله على "وول ستريت" اقليمية – عربية تبدلت معها قواعد الصراعات الخارجية على أرض لبنان، فاستبدل النفوذ السياسي والأمني والطائفي بالدولار الذي أضحى السلاح الفتاك لسحق كل ما تبقى من كرامة "لشيء" اسمه الشعب اللبناني.
لم يعرف العالم "تطبيعا" مذهلا بهذه الخفة لآفة بهذه الخطورة على ألسنة الطبقة السياسية على النحو الذي يشهده لبنان حاليا. حتى ليخال لمراقب من بعد أن التصعيد الجنوني للكلام على المال الانتخابي بكل وجوهه هو ضرب من تحفيز الناس على انخراط جماعي في "نعيم" مالي هدّار فتحت له خزائن عربية واقليمية يلهو الساسة عندنا في الحديث عنها كأنهم يثرثرون في صبحيات عائلية، ولا من يسأل من أين لهم هذه السعة في المدارك والمعارف، ولا من يستوضح عن سرّ هذا التركيز الجارف على اتهام الناس، وكل شيء يختبىء وراء لعبة زعيم يتهم خصمه وخصم يرد على منافسه، ومرشح يحاول حرق غريمه. وفي الخلاصة يخرج الشعب اللبناني وحده، بمجموع "قطعانه" مهاناً ومنتَهَكاً ولا من يسأل ولا من ينتفض.
ولعل الأنكى في هذه المفارقة أن يظهر لبنان "جنة مالية" سابحة وعائمة على بحيرة الدولارات التي تنسج عنها أقوال السياسيين أساطير أغرب من الخيال، فيما يعجز مجلس الأمة عن إقرار مشروع رفع الحد الأدنى للأجر لفرط ما أصابه من حدة المزايدات بين "شبق إصلاحي" من هنا و"بخل متزمت" من هناك، والحقيقة ضائعة بين أرقام وتقديرات لا تصنعها واقعاً سوى سياسات متهالكة لطبقة سياسية تشارف الأفول والافلاس التام في هذه الجاهلية العامرة.
واذا كان المكتوب يُقرأ من عنوانه فلنبدأ على الأقل بتغيير التسمية لواقعة آتية يلصق بها زوراً نعت الانتخابات وسط كل هذه المهانات.