التعقيدات في الداخل أمْلَت البدء من الخارج وفق سياسة التوازن
سليمان يسعى إلى تجميع دعم الدول للأطراف بالدولة
انهى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالزيارة التي قام بها لطهران مطلع هذا الاسبوع جولة طويلة من الزيارات لعواصم دول مؤثرة ومتنازعة على ارض لبنان وعبر ابنائه مركزا وفق معلومات سياسية، على عامل مشترك بين كل هذه الزيارات هو تأكيد ضرورة ان يقدم الدعم، الذي لا تبخل فيه هذه الدول قولا وعملا، الى الدولة اللبنانية باعتبار ان قوة الدولة هي التي تمكنها من ان تدعم كل الافرقاء وتكون بجانبهم وليس العكس. وذلك الى تأكيده عودة موقع رئاسة الجمهورية في لبنان بعد طول غياب لم يقتصر على الاشهر الستة فقط بين انتهاء ولاية الرئيس السابق للجمهورية وانتخاب سليمان في ايار الماضي، بل يشمل الغياب الفعلي لموقع الرئاسة في ظل عدم اعتراف المجتمع الدولي بالتمديد القسري للرئيس السابق. وهذا العامل المشترك حرص سليمان على تظهيره في كل الدول التي زارها، فغابت البيانات المشتركة بعدما ولى زمنها في الواقع لتقتصر على بيان مشترك كان يتيما خلال زيارته لسوريا نتيجة العناصر المتعددة التي يفرضها واقع الجوار والحدود بين البلدين، وسوى ذلك من العناصر، ليُبرز في المقابل النقاط التي تحظى باجماع اللبنانيين ويهمه تثميرها اكثر فأكثر بدعم هذه الدول لها، على ما ذكر في طهران نفسها.
السؤال الذي يبرز في الواقع في ضوء زيارة الرئيس سليمان لطهران يتعلق بما اذا استطاع اقناع الايرانيين بتقديم الدعم الذي يقدمونه الى الدولة اللبنانية وليس الى افرقاء معينين، خصوصا بالنسبة الى موضوع السلاح، علما ان بعض المعلومات تحدث عن اشارة الرئيس الى حاجة الدولة اللبنانية الى اسلحة مضادة للطائرات مثلا او الى اسلحة متوسطة دقيقة لمكافحة الارهاب في حال قدمت عروض متهاودة الى الحكومة اللبنانية من اجل مساعدتها في اتخاذ قرار في هذا الشأن، باعتبار ان القرار يعود الى مجلس الوزراء من جهة، ولا تملك الدولة اللبنانية الاموال الكافية لشراء كل ما تحتاج اليه من جهة اخرى. علما انه لو توافرت الاموال اللازمة في الواقع لتسليح الجيش لكان ذلك متاحا من حيثما تشاء الدولة. فضلا عن ان ايران لم تقدم عروضا في هذا المجال باستثناء عرض يعود الى زمن بعيد بتقديم اسعار متهاودة في حال رغبت الدولة اللبنانية في شراء كميات كبيرة ومتعددة من الاسلحة. ولم يتطرق الكلام الى هبات عسكرية للجيش على رغم تكرار السلطات الرسمية تلقي الهبات المحتملة، في وجه المساعدات الغربية والاميركية عموما من دون اي شروط ملزمة من اي نوع. ويرى مطلعون ان رسالة مهمة في توقيتها تتعلق بموضوع السلاح استبقت زيارة الرئيس سليمان لطهران اذ اعلنت واشنطن عشية الزيارة المقررة تزويد الجيش اللبناني دبابات "ام 60" ثقيلة، علما انه سبق ان زار وفد من قيادة الجيش الاردن واطلع على وضع هذه الدبابات قبل مدة.
هذه المعطيات وحدها كافية لتكون مؤشرا الى مدى التعقيدات التي يتولى معالجتها رئيس الجمهورية والتي لا تعتبر سهلة بكل المقاييس. ولكن يعول عليه بقوة من اجل ان يحدث فرقا كبيرا انطلاقا من اسلوب بدأ يظهر في تعامله مع الامور، خصوصا انه بدأ من الاساس كي يبني عليه يوما بعد يوم وفق ما يتضح من زياراته للخارج، ولم يبدأ كما بدأ سواه من الرؤساء من اشياء كبيرة متراكمة سرعان ما بدأت تتدحرج وتهوي شهرا بعد شهر. ويتطلع المعنيون الى دور رئيس الجمهورية في ادارة الملفات والعلاقات في الداخل والتي بدأها في الواقع، على ما سرى لدى كثيرين ممن يعولون عليه للمرحلة المقبلة، من طاولة الحوار نفسها حيث ابلغ كل الافرقاء عدم قبوله بمبدأ المحاصصة في التعيينات في ادارات الدولة، مهتما، بافساح المجال امام الشباب من جهة وامام اصحاب الكفايات وغير المحسوبين على الجهات السياسية كي تكون لهم فرصة للتقدم في لبنان، وصولا الى الانتخابات النيابية المقبلة. فهذه الانتخابات التي تعتبر حاسمة بكل المقاييس يخشى هؤلاء المعنيون ان تسفر عن ازمة مستمرة في احدى الحالين اي في حال فازت قوى 14 آذار بالاكثرية مجددا، واذا لم يحصل على الارض ما يمنعها من ذلك، فانه لا يعتقد ان قوى 8 اذار ستسلم بهذا الواقع وتقوم بدور تعطيلي مماثل للاعتصام واقفال العاصمة وشلها خلال ما يزيد على عامين، بحيث يتعذر على الاكثرية الحكم. وفي حال فازت قوى 8 اذار، لا يخشى دور تعطيلي من قوى 14 اذار بالنسبة نفسها ربما، لكنه سيكون دور تعطيلي ايضا، الى جانب خشية كبرى من دخول البلد حالا من الجمود الاقتصادي والمالي لا سابق لهما نتيجة اقفال المجتمع الدولي الابواب امام لبنان تحكمه اكثرية برئاسة "حزب الله"، باعتبار ان المساعدات للبنان قد تجف وكذلك اي منحى لدعم المطالب اللبنانية في الخارج. ولذلك يتمنى هؤلاء المعنيون تحكيم العقل لدى الفريقين والبحث جديا في دور رئيسي يقوم به رئيس الجمهورية من اجل ان يوازن بين الامور ويدوزنها، اذا صح التعبير، على هذا الصعيد تحديدا، خصوصا ان الانتخابات تبدو الاستحقاق الاكثر دقة والحاحا في الاشهر المقبلة.