#adsense

خطاب التأسيس وخطاب التوتير على المسرح اللبناني

حجم الخط

خطاب التأسيس وخطاب التوتير على المسرح اللبناني

جاء خطاب الرئيس أمين الجميل في ذكرى تأسيس حزب الكتائب، وذكرى استشهاد ابنه النائب والوزير بيار الجميل، قوياً وإشكالياً في الوقت نفسه. تأتي قوته من إصراره على خطاب ثورة الأرز و14 آذار بشأن الحرية والاستقلال، وبرفض وجود سلاح خارج الدولة وسلطتها. لكنه في المقابل تحدث عن مسيرة متواصلة لحزب الكتائب من العام 1935 وحتى اليوم، وهي، أي المسيرة، كما لم تقبل الفلسطيني وسلاحه، والسوري وتدخله، فهي لن تقبل أيضاً التجاوزات التي تحصل في السنوات الأخيرة، وإن أتت جزئياً من مواطنين أو أفرقاء لبنانيين. بيد أن المشكلة الحقيقية في كلام الرئيس الجميل انه ما أسس وجوه الرفض هذه على الطائف والدستور، وهما يقولان بانفراد الدولة بالسلطة والسلاح على الأرض اللبنانية، بل عاد ـ كما في خطابات الحرب الأهلية ـ الى التأسيس على التعدد الثقافي والحضاري، وبما أن تجربة "الدولة المركزية" فشلت كما قال فإن المطلوب والمفروض، وفي نطاق تعديل الطائف وتطويره الوصول الى الفيدرالية!

ويعتقد البعض أن لكلام الرئيس الجميل هذا سببين اثنين، أولهما منافسة الجنرال عون بشأن خصوصية المسيحيين, وبشأن حقوقهم، وبشأن قوة رئاسة الجمهورية في النظام..الخ. وثانيهما حالة الإحباط الحاصلة من إصرار حزب الله على سلاحه ومناطقه الأمنية وسلطاته وصلاحياته ومقاومته الأبدية، وعدم القدرة على مواجهة هذا الواقع المفروض من جانب الحزب إلا بالحوار الذي يثمر شيئاً منذ ثلاث سنوات تخللتها خروجات على الحكومة واغتيالات وتفجيرات، وإقفال مجلس النواب، وحرب تموز، والاعتصام في وسط البلد، وتعطيل انتخاب رئاسة رئيس الجمهورية ستة أشهر، واحتلال بيروت بالسلاح، وأخيراً فرض حكومة الثلث المعطل وقانون الانتخابات الشهير والخطير! ماذا يمكن فعله في مواجهة قعقعة السلاح، وقعقعة ثماني محطات فضائية، وهياج سوري آخر فصوله "فتح الإسلام" التي يقولون الآن انها هي التي قتلت بيار أمين الجميل وأن تيار المستقبل يمولها!؟ ولأن الرئيس الجميل يعتبر هذا الواقع مستعصياً على العقل والمنطق، وانه كسر أخيراً وعبر السنوات الماضية تجربة "الدولة المركزية"، فإنه اتجه للبحث عن خلاص للمسيحيين ليس من طريق "تحالف الأقليات" في مواجهة المسلمين من حلفائه، بل من طريق الانكفاء الذي يسلم من طريقه المسيحيون، ولا يدخلون مرة أخرى في مغامرة للحرب الأهلية!

وسواء أكانت هذه التعليلات في ذهن الرئيس الجميل عندما ألقى خطابه أم لم تكن، فإنها لا تقلل من إشكالية الموضوع، وذلك لعدة نواحٍ، أولها انه ما من لبناني جاد مسيحي أو مسلم، يعتبر بعد التجارب المرة للنصف الثاني من القرن العشرين، أن في لبنان تعددية حضارية، تتيح كما في سويسرا إنشاء كيان اتحادي تستقل فيه كل اثنية عرقية أو لغوية بجزء ذي حكم ذاتي. وقد انتهينا من كل هذه الأساطير في الطائف بالقول بالهوية والانتماء العربي للبنان. ولست أدري كيف يكون التنافس بين الزعامات من طريق القول بتمايز المسيحيين عن المسلمين بحضارة مختلفة، أو القول بانفرادهم بانتخاب ممثليهم بمجلس النواب، كما حدث في قانون الانتخابات العتيد! وقد ذهب الى ذلك حزب الكتائب من قبل، الذي قاد المسيحيين في الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، بداعي وقوف المسلمين مع المقاومة الفلسطينية، ثم لأن القيادات المسيحية ما كانت تقبل بتعديل الدستور للمساواة بين المواطنين. وبالطائف صار ذلك كله تاريخاً تؤخذ منه العبر، أفنعود لاستثارة الغرائز كما يفعل خصوم الرئيس الجميل السياسيين؟ هناك ردات فعل من جانب الزعماء المسيحيين على الواقع السياسي والأمني ذي الشعبتين: شعبة استعصاء حزب الله بسلاحه، وشعبة التدخلات السورية الأمنية والسياسية. وقد كانت هناك إجابتان من جانب الأطراف المسيحية على ذاك الواقع: استجابة التيار الوطني الحر، وحلفاء سوريا التقليديين، وهو يقوم على الدخول في تحالفات وتفاهمات مع الطرفين السوري وحزب الله، بغضّ النظر عن طبائع وتطورات العلاقة بين الطرفين، وعن موقف ذينك الطرفين من الدولة اللبنانية، ومن الأمن الوطني اللبناني. والاستجابة الاخرى، استجابة الأطراف المسيحية الداخلة في تحالف 14آذار، وهي تقول بالحرية والاستقلال، وتعتمد على تطوير البناء الداخلي، وممارسة الحوار والاستعانة بالعرب والمجتمع الدولي، من أجل منع الاعتداءات الإسرائيلية، والتدخلات السورية. وقد حقق التحالف إنجازات كثيرة، وعجز عن تحقيق أمورٍ أساسية، ومنذ التوافق مع الحزب والتيار الوطني الحر على طرائق إدارة الشأن العام، وعلى سلاح الحزب، والحيلولة دون استمرار التدخلات السورية. وهاتان مشكلتان كبيرتان قد تؤثران على مستقبل الكيان بالفعل، وقد تغيران من طبيعته لكنني لا أعتقد أن هاتين المشكلتين هما اللتان أوصلتا الرئيس الجميل للقول بفشل الدولة المركزية، وعملياً بفشل الطائف وضرورة تطوير دستوره. وعندي على ذلك دليلان: العودة من جانب سائر الفرقاء المسيحيين الى استثارة واستنفار الخصوصية والغرائز لدى الجمهور المسيحي، من طريق انفصاليات قانون الانتخاب، وتصرفات كثيرة أخرى ـ والعودة للدوران من حول الطائف من أجل تجاوزه أو انهائه. أما التيار الوطني الحر فهو صريح في عدم القول بالطائف، والسبب عدم مشاركة الجنرال عون فيه، وانه ـ كما يقولون ـ أضعف الرئاسة المارونية. والآن يمضي مسيحيو ثورة الأرز بالاتجاه نفسه، وفي أذهانهم نفس تحفظات التيار الوطني الحر. وقد قال رئيس الجمهورية شيئاً مشابهاً لنقيبي الصحافة والمحررين قبل عدة أسابيع ولذا فإن القادة المسيحيين على اختلاف اتجاهاتهم انما يتناقشون على ايقاد النزوع الطائفي، إما لأسباب عملية (اعتقادهم استجلاب الأنصار من طريق ذلك)، أو لأسباب نظرية ومبدئية مثل التعدد الحضاري. والواقع أن الطائف لهذه الجهة، أي إنهاء الطائفية أكثر تقدماً من أطروحات التيار الوطني الحر، وأطروحات مسيحيي 14 آذار، فهو يقول انه وبعد أول انتخابات نيابية يتشكل مجلس للشيوخ تنحصر الطائفيات فيه، ويظهر مجلس للنواب متحرر من القيد الطائفي! دلوني كيف يمكن فعل ذلك بعد اشتراع قانون الانتخابات الجديد، والذي تصارع عليه الفرقاء المسيحيون ايهم أكثر تطرفاً وانفصالية، وساعدناهم نحن المسلمين سنة وشيعة بسبب الانقسام المذهبي والسياسي المستشري بيننا؟!
لا أدري إذا كان الجمهور المسيحي مستثار الغرائز، ومحباً للانفصال عن المسلمين الى هذا الحد. كما لست أدري إن كانت النجاة في إقامة "تحالف للأقليات" جمع له النظام السوري الدروز في سوريا تحت لواء طلال أرسلان، ويريد أن يجمع المسيحيين السوريين تحت لواء الجنرال عون! إنما الذي أدريه انه لا بقاء للدولة اللبنانية وربما الوطن اللبناني بدون السلطة المركزية. ولا بقاء لهذه الدولة ذات النظام المركزي إذا استمرت المشكلة الشيعية السنية، وظللنا نتنافس على استقطاب الزعامات المسيحية، والتي تتقرب الى جمهورها بالابتعاد عنا! ولا بقاء لهذه الدولة بالصيغة القائمة، إذا استمر الحزب على سلاحه. وأخيراً لا استقرار لهذا النظام إذا ظل لبنان مسرحاً للتدخلات، وتبادل الرسائل والضربات!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل