عون يبحث في سوريا عن "هويته الضائعة"
على مشارف الزيارة "التاريخية" للعماد ميشال عون الى سوريا كما يصورها اتباعه، والتي تتفاعل يوماً بعد يوم، لسبب بسيط ان وقع هذه الزيارة ليس بالامر العادي على نفوس اللبنانيين وبالتحديد في الوسط المسيحي، ولعل ظهور العماد عون على شاشة تلفزيون "الدنيا" السوري امس، وعملية "النفخ" المتزايدة بالزيارة وبحجم الجنرال الذي بنظره وبنظر التابعين له، اصبح ممثلاً لمسيحيي الشرق جميعاً، لا بد من طرح اشكالية هذه الزيارة وتأثيرها واسبابها ولماذا هذا التحول الكبير في سياسة عراب "قانون محاسبة سوريا".
يتماهى جنرال الرابية في الآونة الاخيرة مع السياسة السورية، فمنذ اكثر من ثلاث سنوات وبعيداً عما اذا كانت عودته من منفاه الباريسي اتت نتيجة صفقة مع سوريا واتباعها، فإن الجنرال انتهج خطاً مغايراً لما كان عليه، فتحول من محاضر امام الكونغرس الاميركي عن خطورة النظام السوري الى مسوق للنظام وغطاء لحلفاء نظام البعث في لبنان، يؤمن لهم دستورية السلاح خارج اطار الدولة تحت مسمى الشراكة.
وتحاول وسائل اعلام عون ومن يتبعها الحد من تأثير هذه الزيارة في الشارع المسيحي عبر تصويرها بطرق متعددة علّ ابرزها الوصف الذي قدمه بعضهم لها بتشبيهها بزيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى دمشق في العام الـ2000 وفي هذا التشبيه محاولة للتضليل والهروب من الواقع السياسي الذي يقول ان العماد عون يكرس سياسته المتماهية مع مصالح النظام السوري ويكشف لثام العلاقة "القديمة" التي تجمعه بذاك النظام، اما ظهوره الدائم بمظهر الضحية فهو يتبع قاعدة "لنكحلها منعميها"، وسياسته هذه تؤكد خروجه عن فكرة سيادية الدولة واستقلالها والتي تحرص بكركي على زرعها في نفس كل مسيحي.
وتجربة عون في الواقع السياسي اللبناني ومساهمته في تباعد اللبنانيين على الاقل منذ عودته من المنفى هي أخطر ما يكون، والاكثر خطورة ادعاؤه تمثيل المسيحيين جميعاً في الداخل وفي الخارج واذا كانت تجربته داخلياً على هذا النحو من زرع التقسيم وبذور الفرقة بين اللبنانيين والمسيحيين خصوصاً فكيف ستكون الحال اذا ما آمن مسيحيو المشرق وهذا مستبعد، ان العماد عون هو الزعيم الواحد الأوحد.
زهرا: زيارة عون لسوريا تكرس سياسته
وفي هذا الاطار يضع النائب انطوان زهرا هذه الزيارة في خانة تكريس الخيار السياسي الجديد الذي ينتهجه العماد عون وهذه الزيارة ليس فيها من شيء يستحق القلق بشأنه فهو من يوم وثيقة التفاهم تموضع مع حلفاء سوريا وبالتالي هذه الزيارة منتظرة وغير مفاجئة بل المستغرب انها تأجلت الى هذا الوقت.
والمستغرب اكثر بحسب زهرا ان العماد عون يصنف نفسه زعيما وطنيا وان خياراته السياسية متعلقة بكل البلد وبالتالي هذه الزيارة تعني كل اللبنانيين، والامر ليس كذلك ابداً فهو عندما يتحدث عن مصلحة لبنان من حقنا ان نقيّم اين تكمن مصلحتنا واين لا.
اما عن مقولة انه يجب علينا انتظار النتائج كي نحكم على هذه الزيارة، فيقول زهرا :"عندما يكون العماد عون ممثلاً لكل البلد ننتظر نتائج زيارته ولكن طالما انه طرف سياسي فإن اداءه يقيّم من هذا المنطلق وحتى اكثر من ذلك، من قال اننا ننتظر نتائج مثل هكذا زيارة فنحن نعلم تماماً سوريا وموقفها تجاه لبنان وحتى موقف عون السابق والحالي فهو حليف لها وهم اليوم يحاولون ان يردوا له الجميل عن التقديمات السياسية التي قدمها لهم".
بحسب زهرا فإن البعض يحاول ان يعطي هذه الزيارة طابعا مميزاً على الصعيد المسيحي عبر إيهامهم بأنها تخدم المسيحيين وهذه خدعة لا تنطلي الا على من يريد ان يصدق ذلك، فسوريا موقفها واضح ومعروف ومناقض لمصلحة اللبنانيين، هناك مجموعة من الملفات العالقة يجب ان تحل ولهذا كل زيارة خارج الزيارات الرسمية لا تقدم ولا تؤخر.
زهرا يرى في التصريحات السورية التي تتدعي العفة والبراءة والتي تسبق زيارة عون، ادانة واضحة لنظام دمشق وتأكيدا بأن جميل السيد ومن معه كان يعمل لسوريا وليس للبنان.
الزغبي: عون منشق عن الحقيقة اللبنانية
يقدم المحلل السياسي الياس الزغبي قراءة شاملة للزيارة واهدافها و"خطورتها" على الصعيد الوطني وعلى الصعيد المسيحي، فيشير الى ان "العماد عون يصور نفسه ضحية لكسب العطف والمسألة ابعد من ذلك، فهي ليست مسألة تتعلق بشخص ميشال عون وانه مستهدف بحد ذاته وان هناك قراراً مسبقاً بتوجيه النقد الى شخص العماد عون"، فبحسب ما يقول الزغبي فإن العماد عون منذ ثلاث سنوات على الاقل، يجسد حالة منحرفة جداً عن السياق اللبناني والسياسي والوطني الصحيح ويجسد الخطر الحقيقي لفكرة كيانية لبنان ومشروع بناء الدولة الحقيقية في لبنان.
خطورة العماد عون في هذا المشروع اي الخطر على الكيان اللبناني، كما يقول الزغبي تكمن في انه يطرح نفسه دائماً كمتحدث باسم المسيحيين اللبنانيين، وتطور به الامر اخيراً كي يدعي لنفسه التحدث باسم المسيحيين العرب والمشرقيين، لذلك فان اي تحرك يقوم به العماد عون محور جدل او مجال لتسليط الضوء واظهار خطورة ما يقوم به ليس على المسيحيين كجماعة او طائفة او أمة، بل على لبنان كدولة ووطن نهض اساساً على استقلالية المسيحيين عن الشرق والغرب بالمفهوم الجيو سياسي.
وهذه الاستقلالية كما يراها الزغبي، تجسدها بكركي واي خروج عن ثوابتها يشكل خروجاً عن سيادية واستقلال لبنان، وهذا الخروج وجد ضالته في هذه المرحلة في سياسة العماد عون الذي بات يشكل نموذجاً صارخاً لمسيرة المنشقين عن الحقيقة اللبنانية منذ القرون المسيحية الاولى حين ظهرت بدع وحالات غريبة عن الحالة المسيحية.
المعادلة التي يطرحها العماد عون والتي تقضي بانتظار نتائج اي قرار سياسي يأخذه وعدم اعطاء الحكم المسبق عليه، يرى الزغبي انها كانت مطروحة على مدى السنوات الـ20 الاخيرة من سياسة العماد ميشال عون وهو الآن يدعي انه كان على حق في كل ما قام به، وهو (اي عون) يرمي في وجه خصومه، اسبقيته في ادراك السياسة الفضلى ولكن هذه المعادلة وهذا الادعاء ليست في مكانها لأن مراجعة بسيطة لسياسة عون على الاقل منذ العام 1988 تثبت ان كل المحطات التي كان فيها هو البارز وصاحب الخيار كانت وبالاً وكارثة على لبنان وعلى المسيحيين تحديداً.
يهرب من الواقع الى التاريخ
وفي هذا الاطار يذكر الزغبي ما حصل في حرب التحرير ضد الجيش السوري، ويقول: "اتضح مع مرور الزمن انها كانت منسقة ومبرمجة مع النظام السوري نفسه بمجرد ان نقرأ نتائجها التي تتلخص بحقيقة ساطعة وهي تمكين هذا النظام من المناطق اللبنانية الحرة واجتياحها والقضاء على آخر نواة استقلالية لبنانية، فبهذا يكون العماد عون قدم بشكل واضح مفاتيح حرية لبنان واستقلاله ودولته الى نظام حافظ الاسد انذاك وهو اليوم يذهب الى دمشق ليعلن استمراره في هذا النهج، وفي اعتقاد الزغبي ان العماد عون لو يستطيع ان يستعيد تلك التجربة الخطيرة لأقدم عليها، فهو بالتالي لا يذهب لاستعادة مفاتيح بيروت بل في محاولة لاستعادة الذين استولوا على مفاتيح لبنان.
الواضح بالنسبة للزغبي ان العماد عون يهرب من الواقع الى التاريخ ومن السياسة الى الدين محاولاً تمويه خطورة ما يفعل، ويشرح نظريته هذه بالقول: "الواقع هو رغبة سوريا بالهيمنة على لبنان والعماد عون يحاول ان يشبه نفسه بقداسة البابا التاريخي الاستثنائي يوحنا بولس الثاني، ويدعي انه يطبق الارشاد الرسولي من خلال الانفتاح على العالم العربي، انه الادعاء الاخرق والاخطر، لأن البابا بولس الثاني حض مسيحيي لبنان على التفاعل مع بيئتهم العربية اي مع هذا الامتداد الانساني والحضاري من شاطئ المتوسط الى عمق الخليج العربي والجزيرة العربية وما يعرف بالشرق الادنى من مصر الى العراق، فأي تفاعل يقوم به العماد عون حين يعزل نفسه عن مصر والسعودية والخليج والاردن والعراق ويغرق في رمال النظام السوري الخارج من بيئته العربية، ولا يرى من نصيحة الارشاد الرسولي الا رأسي نظامين ديكتاتوريين هما بشار الاسد واحمدي نجاد".
ويضيف: "في جانب آخر يحاول اتباع عون تصوير حجه الى دمشق وكأنه يسير على خطى مار بولس وكذلك مؤسس المذهب الماروني القديس مارون، فبعيداً عن الشبه بين الزاني السياسي والمبشر الديني، يريد عون ان يخدع بعض المسيحيين نظرياً وسياسياً ويقدم نفسه كقديس ثالث فيصدقه بعض السذج لبعض الوقت ويكشفه معظم المسيحيين كل الوقت".
يقسّم الطوائف والمذاهب
الواقع كما يراه الزغبي هو ان "العماد عون هو الذي يظهر بمظهر المعتذر من النظام السوري فلا نسمع لا سابقاً ولا حاضراً وربما لاحقاً اي كلمة علنية من مسؤول في ذلك النظام تعبر عن الاسف او الاعتذار او على الاقل النقد لما ارتكبه هذا النظام في حق لبنان وخصوصا في حق الجيش والمسيحيين اللبنانيين"، ويسأل "كيف ننتظر مثل هذا الاعتذار وهم ما زالوا الى اليوم يقتلون شهداء الاستقلال الثاني في ضرائحهم من الرئيس رفيق الحريري الى آخر شهيد، الى مشاريع الشهداء اللاحقين"، ومن يروج لهذا الاسف الكاذب "لا يكشف هوية واحدة ولا اسماً واحداً من الذين يعتذرون على سفكهم الدم اللبناني".
وبحسب الزغبي فإن الحقيقة تقول ان السوري والعماد عون استطاعوا اخفاء علاقتهم لسنوات ولكنها بلغت اليوم مرحلتها المكتملة ولم يعد هناك من ستر ولا من غطاء يستطيع اخفاء هذه الحقيقة، فباختصار العماد عون يذهب علناً الى مرجعيته التي لطالما كانت مرجعيته الأكيدة في حضوره وفي منفاه وفي عودته وفي سياسته الراهنة.
وأخطر ما يقوم به العماد عون من خلال زيارته الى سوريا يراه الزغبي على مستويين، الاول اعطاء براءة ذمة للنظام السوري على كل ما اقترفه بما في ذلك قضية المفقودين والمعتقلين، والثاني بتعميم الفتن بين المسيحيين ونقل ما اقترفه بين مسيحيي لبنان الى مسيحيي المشرق وسوريا تحديداً وهذا اسوأ ما يكون انتجه النظام السوري برعاية النظام الايراني، كما ان خطورة العماد عون بحسب الزغبي تكمن بانه يعمل على ضرب اساسات الوحدة ليس فقط بين الطوائف بل داخل كل طائفة، بل داخل كل مذهب.