#adsense

عون يبحث عن صفقة جديدة بين دمشق وواشنطن توصله إلى الرئاسة

حجم الخط

مستنداً الى 3 محطات تاريخية انتهت بتفاهمات سورية-أميركية أوصلت الرؤساء
عون يبحث عن صفقة جديدة بين دمشق وواشنطن توصله إلى الرئاسة

ما إن أعلن العماد ميشال عون نيته الذهاب إلى سورية بعد إيران، حتى هللت الأوساط الحزبية اللبنانية التابعة لدمشق فرحاً، وأطلقت صيحات النصر "عاد موسم الحج إلى العاصمة السورية، وعاد المسؤولون اللبنانيون إلى المرحلة التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يصطفون طوابير بانتظار استقبالهم في دمشق".

هذا الفرح السوداوي، الذي يبتهج بمظاهر انتقاص السيادة اللبنانية وحرية القرار، والتبشير بعودة الوصاية السورية، يستند إلى قراءة سياسية للمرحلة المقبلة، تقوم على فكرة أن النظام السوري خرج من عزلة دولية بعد تجميد فرضته "ثورة الأرز", وسلسلة القرارات الدولية بحقه, إن كانت في شأن سيادة لبنان, أو بشأن المحكمة الدولية. وتتفاءل هذه القراءة في أن الآتي أعظم إيجابية بالنسبة لحكام دمشق, وخصوصاً مع تغير الإدارة الأميركية الشهر المقبل, وتوجه الرئيس المنتخب باراك أوباما إلى سياسة "الحوار" مع سورية وإيران.

مصدر مطلع عن كثب على حركة العماد عون، يؤكد أن "الجنرال" يشارك تماماً الأوساط الحزبية المذكورة هذا التحليل, وعلى هذا الأساس بنى تحليلاته, وأكثر من ذلك, فإنه قبل أن نشهد التحولات في الموقف الأوروبي تجاه سلوك دمشق, كان العماد يعد العدة ويمهد الأرضية لتحالف استراتيجي كامل معها, بدأت معطياته تبرز من خلال:

أولاً: صفقة عودته من باريس, بالتنسيق مع الرئيس اميل لحود, تمهيدا لتنصيب نفسه رئيساً للجمهورية بديلاً لسلطة الوصاية, ولكن بالتفاهم معها.
ثانياً: فاجأ العماد عون المتحاورين على طاولة الـ14 المنعقدة في مجلس النواب (الحوار الأول)، أثناء مناقشة بند العلاقة مع سورية، باقتراح تشكيل وفد للذهاب إلى دمشق, معلناً استعداده للمشاركة فيه, واليوم يزعم مؤيدو عون أنه إذ يذهب إلى دمشق, فإنه "ينفذ مقررات طاولة الحوار الأولى", في حين أن منتقديه ينسفونها.

ثالثاً: لا يخفي أركان "التيار الوطني الحر" أن زعيمهم اختار التوقيت المحلي المناسب للزيارة, ويقول أحدهم في مجلس خاص "هناك مسؤولون رسميون قاموا بزيارات إلى دمشق, وهناك الحلفاء التقليديون للنظام السوري, وهناك الآخرون أي نحن وقوى 14 آذار, وأركان هذا الفريق محكومون بخيار العداء لسورية, النائب سعد الحريري ينتظر المصالحة السورية-السعودية, النائب وليد جنبلاط يسعى لتحسين صورته مع دمشق عبر المصالحة مع "حزب الله" بوساطة الوزير طلال أرسلان, الرئيس أمين الجميل حاول طرق الباب السوري عبر وسطاء إيرانيين دون جدوى, أما سمير جعجع فإن خياراته لا تسمح له بالتفكير حتى, بطلب الود السوري".

وهكذا تبدو اللحظة المناسبة لنا وحدنا, يتابع الركن في تيار عون, لقطف التحول في الموقف الإقليمي والدولي.

هذه القراءة, على ما فيها من مزاعم, وخصوصاً المعلومات المفبركة حول أركان "14 آذار", تفضح حقيقة الرغبة العونية الجامحة نحو الرئاسة في مرحلة مقبلة, مرحلة يعتقد أنها ستكون سورية, ويكون فيها كل الآخرين, قد سقطوا, أو أسقطوا, ففي الجانب المسيحي سيختفي المنافسون, وفي الجانب الإسلامي, ثمة قرار سوري بإسقاط "تيار المستقبل" في الانتخابات المقبلة بأي ثمن (سياسي-أمني-مالي), وبالتأكيد فإن لا مكان في المعادلة الجديدة لزعيم المختارة.

رابعاً: ما هو التحول الإقليمي والدولي الذي يأمله عون؟ ولماذا يصر على أن مصير لبنان مرتبط بهذا التحول, وليس بقرار اللبنانيين أنفسهم؟

رغم كل الشعارات البراقة التي نادى بها عون منذ سنوات على السيادة والاستقلال, تبين لعارفيه أنه مقتنع بأن العقل السياسي التقليدي في لبنان قائم على ارتهان الأطراف الحلية لمواقع أجنبية, تستظل بها وتتلقى آثار تحولات مصالحها ومواقفها وتحالفاتها, وفي السنوات الثلاث الماضية شهدت المنطقة أحداثاً كبرى وحروباً لإعادة رسم الخارطة السياسية, انتهت كلها إلى فشل السياسة الأميركية, وكما في كل مرة يتراجع فيها المشروع الغربي في منطقتنا, تقوم تسويات معينة مع الدول الإقليمية الكبرى, يكون لبنان دائماً إحدى ضحاياها.

وهكذا فإنه حسب القراءة العونية, فإن لبنان شهد منذ الاستقلال في العام 1943 خضات وحروباً أهلية كبرى, بوصفه ساحة الأزمات الإقليمية, وفي كل مرة كان التفاهم الأميركي-السوري وحده, يخرج لبنان من الاضطراب وينقله إلى بر التسوية.

ففي العام 1958 تسبب مشروع حلف بغداد بحرب أهلية محدودة, انتهت بتفاهم أميركي-مصري, حين كانت سورية جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة بزعامة عبد الناصر, وأنتجت التسوية حكم فؤاد شهاب.

وفي العام 1975, أدى زحف مشروع السلام الأميركي الذي صاغه كيسنجر إلى المنطقة, إلى انفجار الحرب الأهلية اللبنانية, وكان الهدف, حسب القراءة العونية, إلغاء حق العودة وتكريس توطين الفلسطينيين في لبنان, وإذ عجز اللبنانيون وحدهم عن مقاومة هذا المشروع, تقدم السوريون بـ"يد العون", فكان التفاهم السوري – الأميركي على دخول القوات السورية إلى لبنان، وانتخاب الرئيس الياس سركيس.

وفي العام 1982 شكل الاجتياح الإسرائيلي للبنان وما تبعه تعبيراً عن مشروع الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان لتعميم نهج التسويات العربية الإسرائيلية على غرار معاهدة "كامب ديفيد", وبعد سنوات من المجابهة السورية-الفلسطينية-الأميركية في لبنان, قادت التوازنات إلى تفاهم أميركي-سوري أنتج اتفاق الطائف, ورئاسة الياس الهراوي.

وقبل الانتقال للحديث عن المرحلة الحالية, لا بد من التوقف عند دور عون بالتحالف مع نظام صدام حسين في العام 1989, في إنتاج الظروف التي أدت إلى تحول مرحلة الطائف إلى حقبة وصاية سورية كاملة على لبنان.

واليوم, يعتبر عون, أننا نعيش الأزمة الإقليمية الرابعة, التي أنتجها القرار 1559, كتعبير عن الرغبة الدولية بإنهاء الوصاية على لبنان, والتي انفجرت بقوة مع اغتيال الرئيس الحريري, على وقع هجوم أميركي شامل على المنطقة في أفغانستان والعراق وسورية.

هذه الأزمة انتهت إلى انقسامات لبنانية عاصفة, استقرت توازناتها على المعادلة التي أنتجت تسوية الدوحة لبنانياً بحصيلة توازن القوى الجديد داخلياً, ولكن الأهم بالنسبة لعون, هو أن تسوية الدوحة كرست الدور السوري ومن خلفه الدور الإيراني في المعادلة اللبنانية, وظهر ذلك سريعاً بالانفتاح الفرنسي على دمشق, ولا ينقص سوى أن يستلم أوباما مهامه الرئاسية, حتى يكتمل سيناريو تفاهم سوري-أميركي جديد, على غرار التفاهمات السابقة الذكر.

وكما أنتجت التسويات أو التفاهمات السابقة رؤساء جدد للجمهورية, يأمل عون أن يؤدي التفاهم الجديد, إلى رئاسة جديدة, تكون من نصيبه.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل