لأن حسابات المعركة الانتخابية بين 8 و14 آذار "على المنخار"
التركيز على أصوات المترددين وخصوصاً بين المسيحيين
هل يمكن القول ان العماد ميشال عون بدأ جولته الانتخابية من ايران وأنهاها في سوريا وهذا ما جعل زيارته انتخابية ولا علاقة لها بترسيم الحدود بين البلدين ولا بمعرفة مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية ولا بموضوع سلاح "حزب الله" ولا بإزالة سلاح الفلسطينيين في لبنان خارج المخيمات؟
تقول مصادر سياسية ان دراسة قوى 8 آذار للأوضاع الانتخابية في كل لبنان بموجب احصاءات عدد من الخبراء والاختصاصيين واستطلاعات الرأي اظهرت ان المنافسة على الساحة الاسلامية بين قوى 8 آذار وقوى 14 آذار قد تكون في الانتخابات النيابية المقبلة، متعادلة خلافا لانتخابات 2005، لأن موازين القوى بموجب قانون الـ1960 للانتخابات تختلف عنها في قانون الـ2000، وان مزاج الناخب المسلم الذي تأثر كثيرا باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، بات مختلفا بعد مرور مدة على هذا الاغتيال بحيث فقد ولو نسبياً تأثيره على عواطف هذا الناخب، بعدما كان ذلك ادى الى فوز مرشحين مسيحيين في اكثر من منطقة بأصوات المسلمين حيث لهذه الاصوات ثقل وتأثير.
لذلك، فان هذه الدراسة التي اظهرت احتمال حصول توازن ومناصفة بالفوز في الانتخابات النيابية المقبلة بين مرشحي 8 و14 آذار على الساحة الاسلامية، فان نتائج تنافس المرشحين على الساحة المسيحية هو الذي يرجح كفة طرف على طرف آخر ولو بأقلية ضئيلة قد لا تتجاوز الاربعة او الخمسة نواب، اي ان المعركة على هذه الساحة ستكون معركة على المنخار..
وبما ان الصوت المسيحي سيكون هو الصوت الوازن في الانتخابات النيابية المقبلة، وهو الذي يرجح كفة طرف على طرف آخر، ويكوِّن الاكثرية في مجلس النواب العتيد فان سوريا قررت ان تدخل بقوة على الخط لتجعل الفوز على الساحة المسيحية للعماد ميشال عون والمتحالفين معه. وليعوض هذا التدخل ما يكون قد خسره على هذه الساحة ليس بسبب اعلان صداقته للنظام السوري ان لم يكن تحالفه معه من خلال زيارته، بل لأن مزاج الناخب المسيحي سنة 2009 سيكون مختلفا عما كان عليه في انتخابات 2005، لأن مزاج هذا الناخب في الانتخابات الماضية كان مستنفرا ضد النظام السوري ومتحمسا لشعارات السيادة والحرية والاستقلال، وباتت الصورة الآن معكوسة بعد زيارة العماد عون لسوريا وتبادل القبل مع الرئيس الاسد، واعداد استقبال رسمي وشعبي له فاق كثيرا ذاك الذي اعد لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وهو ما حصل ايضا عند زيارته ايران بالمقارنة مع زيارة الرئيس سليمان لها، وانقلب العماد عون تاليا على شعاراته وبات الحق على اللبنانيين في حربهم على سوريا واعتبر ان النظام السوري الحالي بات مختلفا عنه في الماضي وان الرئيس حافظ الاسد هو غير ابنه الرئيس بشار… وان ليس العماد عون هو الذي تغير بل ان سوريا هي التي تغيرت…
ومن اجل دعم لوائح العماد ميشال عون في الانتخابات النيابية المقبلة لتأمين الفوز لها، لا بد من تأمين الدعم المالي الايراني لها والدعم المعنوي واللوجيستي السوري لها، وهو ما جعل نوابا في قوى 14 آذار يسخرون من قول العماد عون في مؤتمره الصحافي ردا على سؤال: "ان سوريا تشجع على اجراء الانتخابات في لبنان وان سوريا لن تتدخل فيها" وتابع: "ان الزيارة قد تؤدي الى خسارتنا بضعة اصوات في الانتخابات لكننا لن نتراجع امام قضية تخص الشرق الاوسط برمته".
ولتعويض هذه الخسارة، فان سوريا شكّلت فريق عمل لبنانياً – سورياً له خبرة في الشأن الانتخابي وغرفة عمليات مشتركة تهتم بتركيب اللوائح وادارة العملية الانتخابية والتدخل كلما دعت الحاجة لإبعاد مرشح واحلال مرشح آخر مكانه في اللائحة، وتكون كلمة هذا الفريق مسموعة ولا سبيل لاعتراض احد عليها، ولتعذر انتقال المرشح المبعد من ضفة الى ضفة اخرى، خصوصا اذا طلب من "حزب الله" ومن حركة امل ان يتركا تسمية المرشحين المسيحيين حيث الثقل الشيعي للعماد عون…
وتركز غرفة العمليات المشتركة نشاطها على المسيحيين المترددين الذين كانوا في الانتخابات الماضية مع العماد عون واصبحوا الآن ضده بعدما غير مواقفه من سوريا من دون ان تتغير هي حيال لبنان. وان بعض هؤلاء المسيحيين كانوا مع عون نكاية بخصومه، ويمكن في اعتقاد الناشطين لدعم عون، معاودة كسب اصواتهم وعدم اعطائها للوائح مرشحي قوى 14 آذار، وفي اسوأ الحالات جعلهم يمتنعون عن التصويت.
لقد نقل عن الرئيس الاسد قوله: "لو خيّرونا بين لبنان قطعة من الجنة او ان يكون البديل هو النار، قرارنا الحاسم لا عودة الى لبنان"…
ويرد نواب في قوى 14 آذار على ذلك بالقول ان الرئيس الاسد يعلم تمام العلم ان عودته الى لبنان باتت مرفوضة عربيا ودوليا ولو انها كانت مقبولة بل مطلوبة كما في العام 1976 تحقيقا لمصالح مشتركة، لما كان تردد في العودة الى لبنان، وهي عودة تحتاج الى غطاء داخلي وخارجي وهو غير متوافر حاليا.
لذلك، ابدل الرئيس الاسد عودته الى لبنان بالعمل بشتى الوسائل لتأمين عودة قوى 8 آذار الحليفة لسوريا الى الحكم في لبنان، فتكون بذلك قد عادت اليه بالوكالة. وهذا ما يجعلها مستعدة للتدخل في الانتخابات النيابية المقبلة بمختلف وسائل الترهيب والترغيب" لأن فوز حلفائها في لبنان بهذه الانتخابات، هو فوز لها في امور كثيرة منها:
اولاً: ان حكم الرئيس سليمان يصبح اسير الاكثرية النيابية الموالية لسوريا والقرار قرارها في انتخاب رئيس المجلس وفي تشكيل الحكومات، ورفض المشاريع او المراسيم غير المرغوب فيها.
ثانياً: الابقاء على سلاح "حزب الله" الى ان يتحقق السلام مع اسرائيل كي يقوم هذا السلاح بالدور الذي لا يستطيع الجيش النظامي القيام به بمعنى ان يهتم الجيش بحفظ الامن في الداخل وان يهتم "حزب الله" بالتصدي لأي عدوان اسرائيلي…
ثالثاً: قد يصبح مصير المحكمة ذات الطابع الدولي في خطر ان لم يكن التوصل الى إلغائها فتأخير بدء عملها اطول وقت ممكن، سواء بعدم تسديد ما على لبنان من مساهمات مالية متوجبة عليه للمحكمة، او بعدم التعاون مع المحكمة في التوصل الى معرفة الحقيقة في جرائم الاغتيال التي وقعت في لبنان.
ولا حاجة لسوريا عندئذ ان تحكم لبنان من عنجر كما في الماضي بل من لبنان بالذات وبواسطة حلفائها فيه خصوصا بعد ان ضمنوا انضمام العماد ميشال عون اليهم وبات رأس حربة في المعركة ضد مرشحي مسيحيي قوى 14 آذار توصلا الى تكريسه زعيما اوحد للمسيحيين وذلك بتأمين فوزه فيها باستخدام شتى الوسائل. فلمن سيصوّت المسيحيون بعدما بات صوتهم هو الذي يكوِّن الاكثرية في مجلس النواب المقبل، هل سيصوتون للسيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر وللبنان الدولة القوية القادرة التي لا سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها، ام سيصوتون للبنان الوصاية السورية بالوكالة وللسيادة المحدودة والاستقلال المنقوص والقرار المصادر وللبنان الساحة المفتوحة للصراعات المتنوعة ولتصفية الحسابات…