#adsense

بين التصفيق والتنديد…

حجم الخط

بين التصفيق والتنديد…

بين التصفيق للزيارة "التاريخية" لرئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون لسوريا والتنديد بها، ثمة مساحة تتسع لكلام هادئ يمكن ان يحمل الكثير من التساؤلات. وأما المصفقون والمنددون، فيبدو كل منهما من موقعه السياسي على حق، ومنسجماً مع نفسه ومواقفه. وأول هؤلاء "الجنرال" نفسه لأن زيارته لسوريا، شكلت الانسياب والامتداد الطبيعي للخيار السياسي الذي اخذه بكل جرأة ووضوح. فبعد ورقة التفاهم مع "حزب الله" كان طبيعياً جداً ان يزور طهران، وبعدها كان طبيعياً واكثر ان يزور دمشق، كيف لا وشريكه في "التفاهم" هو الحليف القوي، بل الأقوى للعاصمتين؟ وحليف الحليف هو حكماً، حليف. فلِمَ الاستغراب؟

ومن الظلم تحميل الزيارة، على ضخامتها، الإعلامية والرسمية، اكثر مما تستحق فهي في النهاية، واحدة من زيارات لبنانية شبه يومية، تشهدها العاصمة السورية منذ "حرب السنتين" عام 1975 – 1976، مع تأكيد تمايزها "الفاقع" الى درجة تحولها "تاريخية" اقله من حيث الاستقبال "الملوكي" المبرمج والمنظم الذي حظي به "ضيف سوريا الكبير" والذي لم يتوافر يوماً لأي ضيف سابق كما لم يكن لرئيس الجمهورية اللبنانية الذي افتتح جولاته العربية والخارجية بقمة لبنانية – سورية.

كان الاستقبال أكبر بكثير من حجم رئيس كتلة في مجلس النواب اللبناني، وان يكن "زعيماً وطنيا" في حجم العماد عون.
وإذا كان من المبكر تقدير حجم "الحصاد" السياسي الذي سيعود به عون من زيارته المديدة للعاصمة وبعض المدن والمحافظات السورية وفيها بالتأكيد فوائد عدة ولا سيما على المستوى الشعبي، فإن ما هو مؤكد وواضح، ان دمشق "لعبتها" بذكاء متناه، وهي حكماً المستفيد الاكبر وربما الوحيد منها، اذ اصابت من خلالها "عصافير عدة بحجر واحد" ووجهت رسائل متعددة الإتجاه اولاها الى العالم العربي و"الاجنبي" الاميركي والاوروبي خصوصاً وفحواها ان تعالوا وشاهدوا كيف هي علاقتنا بالاحزاب والساسة في لبنان. ها هو من قاتلنا بالمدافع وراجمات الصواريخ في ما سماه "حرب تحرير لبنان من جيش الاحتلال السوري" يأتي الينا، بملء ارادته، وبـ"قلب مفتوح" طاوياً صفحة الماضي ومؤكداً انه ولّى الى غير رجعة وأنه يفتح "عهداً جديداً" وأن "ما كان محرماً بالامس اصبح حلالاً جدا" (والكلام لعون نفسه).
فهل من يتحدث بعد اليوم عن تدخل سوري في الشؤون اللبنانية الداخلية؟

وأما الرسالة الثانية فهي في اتجاه "الداخل اللبناني"، وتحمل قراءات متعددة، وهي موجهة الى الجميع في لبنان "رئيساً وحكومة وشعباً وفحواها ان "ضيف سوريا الكبير" و"الزعيم الوطني اللبناني" بات حليفنا. انه "فخامة العماد ميشال عون" – كما كتب على الدرع التي قدمها اليه "الاتحاد الوطني لطلبة سوريا" على مسرح جامعة دمشق حيث حل ضيفاً محاضراً ولكل ان يفسر كما يشاء، حتى زلات اللسان، في بعض الاسئلة.
وفي كل الحالات، اثبت اهل النظام في سوريا مرة جديدة أنهم اوفياء لأصدقائهم ولحلفائهم ويحفظون الجميل. ومن خلال استقبالهم الكبير الرسمي والشعبي المنظم لعون، اظهروا انفتاحهم واستعدادهم لفتح صفحة جديدة بيضاء حتى مع من كان ذات يوم يحاربهم، بعد صفحة سوداء كان ثمنها فادحاً، لبنانياً وسورياً.

 
وثمة سؤال كبير يبدو هنا، مشروعاً هو: اذا كانت القيادة السورية قد تصالحت مع الجنرال الذي شن ضدها حربا ضروساً بالمدافع والراجمات، فهل من غير الممكن ان تتصالح مع من اكتفوا بالمدافع والراجمات الاعلامية والخطابية ولكل من هؤلاء اسبابه الموجبة؟
واذا كان هذا الاستقبال التاريخي بالفعل للعماد عون، فكيف يكون اذاً لمن لم يقاتلوا سوريا عسكرياً، ولم يشنوا عليها "حروب تحرير" بل كانوا في مرحلة من المراحل معها في خندق واحد، وفي المواقع المواجهة في "حرب التحرير"؟
كيف يكون ذات يوم استقبال الحليف السابق وليد جنبلاط؟

وكيف سيكون استقبال النائب سعد الحريري وغيره اذا تمت المصالحة بين النظام السوري وخصومه، وما من خصومة سياسية دامت الى الابد؟
قد يبدو السؤال ساذجاً في مكان ما، ولكن من يدري؟ فلا جمعيات خيرية في السياسة. لا صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة…
واخيراً، اذا كان من حق رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" ان يفاخر باستقبال "رئاسي"، "ملوكي" "بطريركي" "بابوي" اعد له في سوريا، واذا كان من حق انصاره ومؤيديه ونوابه وإعلامه الدفاع عن الزيارة، واذا كان ضامناً العودة ومعه "مفاتيح بيروت" بعد استردادها من دمشق، فإنه لم يكن من الجائز – بل من المعيب في المبدأ على اي طرف – استحضار الشهداء واستغلال صور لهم من الارشيف سعياً وراء دفاع عن زيارة لم تكن اصلاً في حاجة الى دفاع عنها، ولا سيما اذا كانت نتائجها مضمونة…

وأما الحديث عن هذه النتائج فمتروك لأصحابها، وهي بالتأكيد من حقهم الطبيعي، ولا سيما اذا عبّرت عن تأييدها و"الاحتفال" بها، صناديق الاقتراع في انتخابات نيابية باتت على الأبواب!

المصدر:
النهار

خبر عاجل