ممَ يخاف ساركوزي؟
قال حافظ الاسد لبيل كلينتون: اذا قتل لكم جندي في أي مكان في العالم، فإن ادارتكم تهتـز، واستخباراتكم تحاسب، وينعقد مجلس الشيوخ والنواب عندكم فيتبارى خطباؤكم في المجلسين في نقد الادارة والرئيس..
اما عندنا فإن نظامنا يقوى بسقوط العشرات او المئات من القتلى من الجيش او من غيره.
وبعد ان أراد نيكولا ساركوزي تجربة حظه في اقناع بشار الأسد في التعامل بأخلاقية مع لبنان، جاء من يقول له: ان دمشق لن تكون منـزعجة ابداً اذا ما سقط عدد من الجنود الفرنسيين قتلى في جنوب لبنان، لكنها تعرف ان حكم ساركوزي في اول سنة له سيهتـز كله، اذا استقبل رئيس فرنسا جثامين من جنوده القتلى في لبنان.
انها المسافة الحضارية والانسانية الواسعة بين نظام القتل والارهاب والتعيّش والتكّسب من جثث المواطنين وقضايا الوطن، وبين حرص الآخرين على أرواح ابنائهم.
بهذه المسافة يدفع لبنان الثمن غالياً، فأهله ليسوا اغلى على قلب بشار الاسد وقبله والده وبعده ربما أخيه ماهر أو صهره آصف من أهل سوريا المساكين.
غير ان هذه ليست هي القضية. المسألة هي هل ان خوف ساركوزي على جنوده في جنوب لبنان رهائن نظام بشار الذي قد يستخدم القاعدة ضدهم او جماعات احمد جبريل او ميليشيا حزب الله، هو الذي جعله يغامر بهذه الخفة ويقامر على ((اخلاقيات)) بشار الاسد ونظامه.. وهو يعرف انه يقامر على حنان الذئب الأغبر نحو الحمل الوديع؟ ام ان هناك امرا آخر يحتاج المرء الى قليل من الفطنة كي يكتشفه ليعرف اسباب هذه الليونة ثم التراجع بعد التهديد، ثم نفض اليد من المسألة اللبنانية.. وكلها اشارات ثم تصريحات ظهرت وكتبت وقيلت على لساني وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير (ابو ملحم) ثم على لسان رئيسه ساركوزي نفسه؟
وما هو الأمر الآخر؟
انه ببساطة تبني ساركوزي الاستراتيجية الصهيونية نفسها تجاه نظام بشار الاسد القائمة على حماية هذا النظام من أي محاولة لإسقاطه، ومنع أي قوة سورية وطنية من الحلول محله، لأنه الأنسب سياسياً وثقافياً وأمنياً وعسكرياً من أي نظام او قوة سورية قد تأتي لتطالب ليس باسترجاع الجولان فحسب، بل وببناء سوريا على قاعدة وطنية في العدالة السياسية والاجتماعية والاكتفاء الاقتصادي والاستقلالية العربية والحرية والديموقراطية في مواجهة الطغيان والاستبداد والتبعية لنظام الفرس في طهران والمهادنة الاستراتيجية مع اسرائيل.
هنا يلتقي ساركوزي مع العدو الصهيوني، وهو يعرف ان لاسرائيل مطالب من بشار الاسد ينفذها الآن وسينفذ مثلها بعد ذلك.
بشار ينفذ الآن ما تريده اسرائيل، وهو عدم استقرار لبنان ونقل قوة حزب الله من الحدود معها الى الحدود مع بقية اللبنانيين، بعد ان بات حزب الله وجمهوره معبأ لقتال بقية اللبنانيين الذين لا يرون رأيه في التبعية لطهران ونظام الاسد، ناسياً متجاهلاً متغافلاً عمداً عن مجرد التفكير في محاربة اسرائيل بعد الكارثة التي ألحقها بلبنان وطناً وأرضاً وشعباً ومجتمعاً وكياناً منذ مغامرته في صيف 2006.
ساركوزي كأنه يرتب لصفقة مع سوريا تقضي بعودة حزء من نفوذها الى لبنان بهدف واحد تريده اسرائيل وهو الإمساك بحزب الله بدءاً من إيقاف مده بالسلاح، وصولاً الى إيقاف عدد من قادته عن العمل، الى ان ينفّذ نظام بشار هوايته بالقتل ليس ضد قادة الاكثرية فقط.. بل وضد قادة حزب الله ايضاً..
هذا ما يريح اسرائيل، وهذا ما يعتقده ساركوزي مريحاً للبنان! لكنه يمر بمذبحة يرتكبها نظام بشار الاسد ضد فئة من اللبنانيين كانت حتى الآن تراهن على ان حمايتها لا تكون في الوطن بل بالاعتماد على اخلاقيات بشار الاسد؟!!!.