بابا المعارك المستحيلة!
لم يكن ينقص العماد البرتقالي سوى ارتفاع الدخان الأبيض من " محرقة المصيلح " ايذاناً بتطويبه بابا على يد الرئيس نبيه بري ! الذي افتى بحسب ما نقلت عنه صحيفة لبنانية ، " ان عون ذهب الى الشام جنرالاً وعاد بابا ! " ورأى (رئيس المجلس) ايضاً ان سوريا تجد ان علاقاتها بلبنان من خلال الأطراف الداخلية افضل لها من العلاقات الرسمية بين دولتين !! ولعل هذا الكلام المفيد يختصر كل الحكاية منذ الأتفاق الفرنسي – السوري وما اعقبه من اعلان التبادل الدبلوماسي ، وصولاً الى الأستدعاءات الى سوريا ! وختامها كانت الجولة البرتقالية التي سعت دمشق الى ايصال الرسائل عبرها في جميع الأتجاهات : لبنانياً وعربياً … ودولياً ايضاً !
وان يتحمس العماد البرتقالي للمعارك والقضايا المستحيلة ، فهذا ما يعرفه لبنان في تاريخ العماد الذي يمتد على اكثر من 20 عاماً من الطموح السياسي الجامح ! والذي لم يترك ملفاً مستحيل التنفيذ الاّ وقاربه ! واخذ لبنان فيه الى معارك لا طائلة تحتها ولا نتاج لها اللهم سوى الشرذمة الداخلية المميتة بين الطوائف من جهة ، وفي داخل المذاهب من جهة ثانية ! بما ادى الى حال من التراجع والأحباط ، انعكست هجرة كبيرة آواخر ثمانينات القرن الماضي ، وصولاً الى الطائف الذي لم يأتِ مجحفاً بحق المسيحيين ، بل منصفاً وعادلاً ، قياساً الى ما خلّفته المعارك المستحيلة التي خاضها عون قبله ، وخلال ولادته ، وبعده ايضاً ! ما انعكس استئثاراً سورياً بتنفيذ الأتفاق على مدى 15 عاماً من الهيمنة والتسلط والأحتلال !
وكنّا قد تطرقنا قبل الزيارة بأسبوع ، الى ان العاقلين في التيار العوني نصحوا بعدم اتمامها راهناً ، وعددوا الأسباب الموجبة ، وما لم نذكره يومها هو ان صهر الجنرال ووزير بلاطه اصرّ على الزيارة (في الموعد المحدد) لأن " ما كتب قد كتب ! " ولم يعد هناك مجالاً للتراجع .
وامس اعترف عون بهذه الحقيقة ونسب الممانعة الى بعض الأعضاء في تكتل التغيير والأصلاح الذين ناقشوه في توقيت الزيارة ! وكشف انه صمم على القيام بها ! وفي الأسباب الموجبة التي اوردها انه اراد ان يعرف في الأنتخابات على اي ارض يقف ؟ ! وهل ان الشارع المسيحي معه ؟ ! وهذا يؤكد ما نفاه عون في حديثه عن التطرّق الى الأنتخابات مع السوريين ، وربما يكون قد ناقش الموضوع في ريف دمشق (قيادة المخابرات السورية في لبنان) وليس مع الرئيس الأسد كما قال بنفسه !
واذا صدقنا بابا المعارك المستحيلة في انه لم يناقش الأنتخابات في سوريا ! ولم يناقش ملف المعتقلين ! ولا ترسيم الحدود ! ولا السلاح الفلسطيني الذي يأتمر بآوامر دمشق ! ولا سلاح حزب الله الذي اقتنع عون بوجوب حمايته واستمراره ! فماذا تراه ذهب يفعل هناك ؟ وفي هذا الوقت غير المناسب سياسياً وانتخابياً .
وفيما يشبه الأعتراف الضمني الصحيح ، اقرّ عون بأنه من منظاره فإنه ذهب ليطبق قناعاته وينسجم مع خياراته التي يريد ان يخوض الأنتخابات على اساسها ! بمعزل عن النتيجة المحتملة ! وهذا ما يؤكد المعلومات ان الوزير باسيل اورده في رده على منتقدي توقيت الزيارة بعد ان ظهر ان التغيير في موعدها ومداها مستحيل ! وانها من القضايا والمعارك المستحيلة التي تضمنها " بروتوكول " العودة الذي وقّعه عون في باريس وعملت بقايا النظام الأمني المشترك على انجازه بعد رجوع البرتقالي : من تسريبات الرئيس بري حول قانون الـ 2000 ! الى كلمة السر التي تناقلتها الأجهزة في طول لبنان وعرضه ! وصولاً الى المعلومات المغلوطة التي نقلها وزير سابق الى بكركي ! وموقف البطريرك الذي ادى استثماره الى النجاح الكبير الذي اصابته حركة عون في انتخابات العام 2005 !
والغريب في كل ما قاله البرتقالي امس هو التقاطه نبض الناس في الشارع السوري ! وعدم التقاط مثيلها في الشارع اللبناني (وتحديداً المسيحي ! ) الذي لا يمكن ان يقبل بطوي الصفحة مع سوريا قبل جلاء ملف المعتقلين والمفقودين والموافقة على ترسيم الحدود ووقف التدخلات الشقيقة في شؤوننا الداخلية ! اما عن حماسة الشعب السوري فهي تبدو في كل مراسم الأستقبالات المفبركة ! واسبابها تأتي من الكبت والضغط الكبيرين في الداخل وهذا ما يؤدي الى مبالغات لا علاقة لها بالضيف الذي لا يعرفه الناس وهي بدت ظاهرة بوضوح مع كل الزوار " الأكسترا " الذين مروا في العاصمة السورية .
ويبقى ان اخذ عون بصدره الحملات بسبب موقفه من سوريا ، فلا جدال فيه ! ، واما تخفيفه عن الرئيس فلا يقنع احداً خصوصاً وان التزامن بين زيارتي عون لطهران ودمشق مع جولات الرئيس في الخارج ! ليست عملاً بريئاً ، ومنها بدأت المخابرات السورية الفبركة والتشويش ! واهدافهما معروفة للجميع … ولا حاجة الى التكرار في هذا المجال ! .