زعيم “حزب الله” حاور انتقادات قواعده الشعبية
وحاول استعادة هيبة “الشر المستطير” بعدما تجاوزها اللبنانيون
وحاول استعادة هيبة “الشر المستطير” بعدما تجاوزها اللبنانيون
هكذا حجب نصرالله الثقة عن ميشال سليمان
فارس خشّان
تحتاج الإطلالة الأخيرة للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الى نقاش أبعد من تلك الردود التي ركزت على الناحية السياسية والدستورية من كلامه، ذلك أن “زعيم المعارضة” لم يكن يوما فضّاحا كما كان عليه مساء الأربعاء الماضي .
ومن يدقق بالخط البياني لحديثه ـ الخطابي يدرك تماما أنه كان يحاول أن يحقق هدفين أساسيين، اولهما إقناع القواعد الشعبية لقوى الثامن من آذار بصحة المسار الذي يسلكه منذ حرب تموز التدميرية، وثانيهما إعادة الهيبة التي فقدتها هذه القوى التي يقودها “حزب الله”، المدجج بالسلاح، لدى القواعد الشعبية الأخرى.
وهذا يعني أن نصرالله يستشعر بمخاطر وجودية تعود تحديدا الى استطلاع ردات الفعل التي أعقبت آخر إطلالتين له في شهري تشرين الاول وتشرين الثاني الماضيين، حين لقي برودة غير معهودة في صفوف مناصريه، وحين اطلع على نقاشات غير مسبوقة بعمقها الإنتقادي في المجتمع الشيعي تحديدا.
وكان نصرالله مدركا، حين قرر أن يطل على اللبنانيين، جملة من الحقائق التي أثارت فيه مخاوف جدية، ولعل أبرزها الآتي:
أولاً، لاحظ في الآونة الأخيرة أن ردات الفعل على “خبر” تقليص صلاحياته في “حزب الله” لم تأت مستهجنة، لا بل أن كثيرين ـ في الشارع الشيعي ـ ذهبوا الى حدود تبريرها باستذكار سلسلة من الأخطاء التي “قزمت” الجناح العسكري في “حزب الله”، بعدما كان “النصر الإلهي” في حرب تموز قد “عملقه”.
ثانياً، سقوط “الوهرة” عنه بعدما أسقط الجيش اللبناني بنجاح “الخط الأحمر” عن مخيم نهر البارد، وما الذهاب الى التذكير بالخسائر البشرية التي مني بها الجيش اللبناني، سوى محاولة لتعويم الذات، مع العلم أن هذه الخسائر تبقى ضئيلة جدا، إذا ما قورنت بخسائر “حزب الله” في حرب تموز، من جهة أولى وبخسائر حروب العماد ميشال عون الخاسرة، من جهة ثانية.
ثالثاً، التراجعات في مطالب نصرالله بالذات، بحيث بدا أنه لا يتمتع بمواصفات “القائد الواعي”، وهذا بالتحديد ما تجلى في الفوارق التي ظهرت فاقعة في خطابين متلاحقين، بحيث طالب في خطاب تشرين الاول بضمانات تمحورت كلها حول شخص الرئيس الجديد للجمهورية، مستهزئاً بكل الأمور الأخرى، ليطل في خطاب تشرين الثاني مستهزئا بضمانات يوفرها الرئيس الجديد مركزاً على ضمانات الاتفاق المسبق على برنامج سياسي وأمني وعسكري وحكومي متكامل.
رابعاً، سقوط مناشدته العلنية للرئيس السابق اميل لحود بألا يخرج من القصر الجمهوري من دون اتخاذ إجراءات تحول دون تسليم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة للسلطة.
خامساً، الإرباك الذي عاناه نصرالله ودفعه الى الإحتجاب، بفعل ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية.
سادساً، تأكيداته المتلاحقة أن طبول الحرب تقرع، في ظل عدم تمكن اللبنانيين بعد من إعادة إعمار ما هدمته حرب تموز، الأمر الذي أحبط تلك الجماهير التي سبق لها وارتضت بالدمار لقاء الإنتصار الذي ظنوه ـ بفعل الحملة الدعائية المركزة ـ حاسماً وخاتماً لمسلسل الحروب التدميرية، فإذا به، وفق نصرالله، مجرد بداية.
سابعاً، ملاحظة هذه القواعد الشعبية، التي استدعيت الى الشارع منذ كانون الاول 2006، ان الإنتفاضة الإحتجاجية لم تؤت ثمارها، فبدل ان تسقط حكومة السنيورة فها هي تأخذ، بحكم الدستور، صلاحيات رئيس الجمهورية أيضا.
ثامناً، حالة الوهن التي تصيب حليف “حزب الله” المسيحي العماد ميشال عون، فبعد ظهور التهاوي الشديد في قواعده الشعبية خلال انتخابات المتن الشمالي الفرعية، دخل في حرب إلغاء ضد الصرح البطريركي الذي يحمله مسؤولية التضحية بالدور المسيحي لمصلحة ما خطط له “حزب الله” مع القيادة السورية.
تاسعاً، سقوط كل المنطق الدولي والإقليمي الذي حاول “حزب الله” تعميمه في لبنان، فهو كان يبشّر قواعده الشعبية بتخلي الولايات المتحدة الأميركية عن قوى الرابع عشر من آذار، كما كان يؤكد لهم ان فرنسا انتقلت من موقع الى آخر، وأن الدول العربية لن تستطيع الإستمرار في سياستها الراهنة، فإذا بالوقائع الحقيقية تُثبت ان إدارة “حزب الله” للمعركة اللبنانية، أعادت التمحور الدولي والإقليمي الى “نقطة الصفر” وجرّت على العماد ميشال عون “اللعنة اللحودية”.
عاشراً، سقوط الخطاب التخويفي لـ”حزب الله”، بعد إدراك اللبنانيين أن قدرة التهويل لا تتناسب مع قدرة التنفيذ، الأمر الذي شجّع اللبنانيين المنتشرين في العالم على المجيء الى لبنان غير آبهين بتهديدات “جماعة الشر المستطير”.
وبالفعل، حاول نصرالله أن يقدم قراءة أخرى لهذه الوقائع التي ترسخت في الوجدان الشعبي، ولذلك كان حديثه هادئاً الى درجة “التنويم”، فهو لا يستطيع أن يقنع قواعده بالصراخ عليها، بل بتهدئة خواطرها وأعصابها أيضا، ليستطيع ان يمرر رسالته التي كانت ملأى بالتحريض هنا وبالتضليل هناك.
وعملية التضليل الكبرى، بدا واضحاً انها مرتبطة بترشيح العماد ميشال سليمان الى رئاسة الجمهورية، وهو ترشيح يلاقي الهوى الشعبي اللبناني الباحث عن الخلاص والمتلهف للخروج من التأزيم. كيف ذلك؟
حاول نصرالله أن يضع “الثلث الضامن” في مصاف متقدم على رئيس الجمهورية، بحيث ذهب الى حدود اعتبار ان ما يضمن حقوق قوى الثامن من آذار وجماهيرها ليس رئيس الجمهورية بل الثلث الضامن، فعشاق القضية الفلسطينية والخائفون على الوجود المسيحي ليس لهم سوى الثلث الضامن ليقيهم شر التوطين، ورافضو أجهزة أمنية “إنتقامية وعاملة في خدمة الأميركيين” لا يحميهم سوى الثلث الضامن، والفقراء الذين يطل عليهم “وحش الصندوق الدولي” لا يُغنيهم سوى الثلث الضامن، والمتطلعون الى علاقات سوية مع النظام السوري لا يسعفهم سوى الثلث الضامن، والمتطلعون الى بقاء “المقاومة” على قوتها ـ وهنا يندرج الطموح الإيراني الأسمى على حد تعبير نصرالله بالذات ـ لا يمكن ان يحققوا طموحاتهم إلا مع الثلث الضامن.
بالنسبة الى نصرالله، لا يوفر شخص العماد ميشال سليمان الضمانة “لأن الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية لا تكفي”، ولذلك هو يدعو الى تجاوز الحماسة لسليمان لمصلحة الثلث الضامن.
ولكن نصرالله، تجاوز حقائق عدة، بطريقة يستشف منها أنه لا يعقد ثقته على سليمان.
وفي هذا السياق بالذات، قفز نصرالله فوق العرض الذي رفضه كزعيم لقوى الثامن من آذار، وهو ان يأتي تشكيل الحكومة على القاعدة الآتية: 14 وزيرا لقوى الرابع عشر من آذار و10 وزراء لقوى الثامن من آذار وستة وزراء للرئيس ميشال سليمان.
هذه المعادلة الحسابية تعني في السياسة الآتي:
أولاً، لا تتمتع قوى الرابع عشر من آذار حتى بالأغلبية المطلقة في مجلس الوزراء.
ثانياً، لا تتمتع قوى الثامن من آذار بالثلث المعطل.
ثالثاً، يتمتع “الرئيس” ميشال سليمان بالصوت الوازن، فمن دونه لا تتوافر الأكثرية المطلقة ومعه يتمتع كل طرف بهذه الأكثرية، ومن دونه ان يتمتع أي طرف بالثلث المعطل ومعه يتمتع كل طرف بهذا الثلث.
إنها معادلة تجعل من رئيس الجمهورية، في حال الثقة به، الحكم بين المختلفين في لبنان، وحينها لا توطين من دونه ولا تعيينات عسكرية وأمنية من دونه ولا قواعد أميركية من دونه ولا خطة اقتصادية من دونه ولا بحث في مصير سلاح “حزب الله” من دونه ولا تطبيق للمقررات الدولية من دونه.
تأسيساً على الآتي، يبدو واضحاً ان الرسالة التي أوصلها نصرالله الى جماهيره هي رسالة تمهيدية للوقوف نهائياً في وجه وصول سليمان الى رئاسة الجمهورية، لأن الإصرار على الثلث المعطل هو إصرار على حجب الثقة عن قائد الجيش.
من هنا الى أين ؟
في اعتقاد أوساط سياسية أن الرد على الإطلالة الأخيرة لنصرالله تبقى ناقصة أو تبقى محصورة في إطار الثرثرة إن لم تنتقل الى مستوى توكيد ثقة اللبنانيين بوطنهم على الرغم من كل التهديدات لأن أحداً مهما كان قوياً لا يستطيع ان ينقل لبنان الى حالة الخراب، مع الإصرار على مخاطبة جمهور الثامن من آذار، لإفهامه أن هناك من يضحي به وبوطنه من أجل مخططات تعني النظام السوري الديكتاتوري لا غير.. ولعل في الرسالة الأخيرة التي وجهها رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى كل الدروس والعبر.