معارك رابحة
لميشال عون وأنصاره أن يفسروا كيف تكون معارك من صنف حربي التحرير والإلغاء وهجوم ١٣ تشرين الاول،١٩٩٠ انتصارات حققها زعيم التيار الوطني. متابعة تقلبات عون وشطحاته، ناهيك عن شرحها وتبريرها وتسويقها، ليست في متناول الساعين الى فهم عقلاني للتاريخ اللبناني الحديث، فهذا قابل للتبديل والتغيير غب الطلب.
فإن تكن هذه »المعارك الرابحة« أدت في نهايتها الى ضرب التوازنات اللبنانية الداخلية وأسفرت عن إخراج المسيحيين من الحياة السياسية وربما من كل أنواع النشاط اللبناني العام، فهذه تفاصيل لا يتوقف عندها أصحاب القامات والرسالات التاريخية الذين يشغلون مخيلة عون ويغذون خيلاءه.
بيد أن من بين ركام التصريحات التي يطلقها عون ومؤيدوه، يبرز ما يثير القلق حول مستقبل لبنان. ومن هذه التصريحات ما يتعلق بالعمل على الفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة ليتمكن الرجل من تعديل اتفاق الطائف. التعليقات المتنوعة التي حاول أصحابها تبرير ما قاله جنرال المعارك الرابحة، سهت عن مسألة بسيطة خلاصتها أن الطائف كان تسوية تاريخية بين اللبنانيين: لقد أخذ صلاحيات من طائفة ووزعها على الطوائف الاخرى الممثلة في مجلس الوزراء مجتمعاً (ولم يخص بها طائفة تسبب الأرق لميشال عون أكثر من غيرها، على ما يُصور). السؤال الواجب طرحه هنا هو: ما الذي تستطيع الطائفة المارونية دفعه لبقية الطوائف إذا رغبت في استعادة الصلاحيات التي يتحدث عون عنها؟ المقاضية والمبادلة هي ديدن السياسة اللبنانية بين الطوائف الكريمة: أرنا ما الذي يمكن أن تدفعه قبل أن تتقدم بمــطالبك محقة كانت أم غير محقة. هذا أولا. ثم تعال نتحدث في موازين القوى الداخلية والإقليمية التي تراهن عليها لإسناد التعديل المرغوب.
يصعب تصديق أن تيارا سياسيا كبيرا مثل ذاك الذي يقوده ميشال عون، ليس فيه من يعي معنى المطالبة بتعديل اتفاق وَضَعَ حداً لحرب أهلية دمرت لبنان وأحالته خراباً، من النواحي كلها، السياسية والاجتماعية والعمرانية والاقتصادية. ويصعب، بالقدر ذاته، تصديق أن هناك من يدافع عن المطالبة بالتراجع عن اتفاق الطائف من دون أن يملك أدنى تصور عن المستقبل الذي ينتظر اللبنانيين إذا تم تبني هذه النصيحة البلهاء.
لا يصدر هذا الكلام عن تمسك فارغ باتفاق لم يجد طريقه الى التطبيق الناجز. فسيرة الانقلاب عليه معروفة وكذلك معروف الأسلوب الاستنسابي الذي نفذت به أجزاء من الاتفاق وأهملت اخرى. بل يصدر عن قناعة بأن الهدنة الطويلة التي أتاحها الطائف هي أفضل ما أمكن التوصل اليه في ذلك الوقت. رفع شعار التعديل، اذا كان يتخطى البضاعة الانتخابية الرثة التي يدأب عون على ترويجها، يؤذن بنزعة نحو تكرار التجارب الفاشلة، من جهة، بانعدام القدرة على تفهم الحقائق التي قادت لبنان الى الحرب الأهلية بين عامي ١٩٧٥ و١٩٩٠ والأسباب التي جعلت الحرب تنتهي الى ما انتهت عليه، من جهة ثانية.
والحال أن الخفة التي جرى فيها تناول تعديل الدستور وقبلها السجال الهزلي حول صلاحيات نائب رئيس مجلس الوزراء، تبيح لقوى أخرى النظر في ما تخلت عنه من أجل التوصل التي التسوية التاريخية التي يرفضها ميشال عون. وغني عن البيان أن القوى اللبنانية الرئيسية التي خاضت الحرب الأهلية كانت مهجوسة بمشاريع متفاوتة التوجهات، من الفدرالي الى الأممي مرورا بالقومي والإسلامي ـ الثوري. فلماذا، والحال على ما سبق، يصب كلام عون في مصب الحرص على المصلحة الوطنية، فيما تكون كل المطالب المقابلة متهاونة في الحرص على لبنان وكيانه وسلمه الأهلي ووحدته الوطنية؟
ردود الفعل الرصينة التي دفع بها عدد من القيادات القريبة من الخط الذي ينطق ميشال عون به، كفيلة برسم الحدود التي لا ينبغي لكلام قيل في الهواء أن يجر البلاد اليها أو الى محاولة تجاوزها. يتعين التذكير في هذا السياق بموقفي الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي.
بقي القول إن ما من شك في عبث الجدال مع ميشال عون. فالرجل الذي يدّعي احتكار الحقيقة والصواب بل والأخلاق، منذ حوالى العشرين عاما، يثبت في كل مرة انه غير قابل للتعلم من تجاربه هو في المقام الاول. لكنه يصر، مع ذلك على طرح شعارات وكلمات لا تفيد سوى في إعادة تذكير اللبنانيين بعمق جروحهم وبأنهم لم ينجزوا عملية المصالحة والإصلاح الداخليين إنجازا سليما يسد الباب، لمرة واحدة والى الابد، أمام محاولات نبش القبور واستنطاق الجثث.