فقط احتراما للذاكرة وتقديراً لتطور البشر، يجب ألا يغيب عنا ان نسخة عن "الربيع العربي" وقعت قبل ربع قرن في العالم الشيوعي. ولم يبدأ في موسكو بل بدأ في أطراف أوروبا الشرقية، في المجر وألمانيا الشرقية. كذلك عبأ يومها نيكولاي تشاوشيسكو أنصاره للتظاهر ضد المعارضين، فحملوا الهراوات ومضوا الى التجمع، وفجأة تذكروا الأعوام التي مضت في ظل نيكولاي وفراء "الدكتورة" إيلينا، فانتفضوا عليه، وحاول الفرار، تاركاً، دون اكتمال، قصراً من 1500 غرفة. رمز الاشتراكية، أُعدم فوق كومة من القش.
لم يسقط النظام العربي أولاً في مصر، بل في أطراف تونس. الفارق كان في القراءة: سارع تيودور جيفكوف، صاحب بلغاريا منذ وإلى الأزل، إلى الذهاب. ولم يقل ميخائيل غورباتشيوف للذين هتفوا عليه في عرض الأول من أيار "سرعة وتسرع". بل قال لهم إن النظام اهترأ، ولا بد من التغيير الآن.
تفكك الاتحاد السوفياتي الذي بناه لينين ثم ستالين من بوادي آسيا وعواصم الامبراطوريات السابقة في أوروبا، كما تمّ توحيد ألمانيا الشقية أبداً من دون سقوط قتيل، إلا في ازدحامات الابتهاج. سقط جدار برلين ولم يسقط جريح واحد. الدول التي اشتهر قادتها بالصمم والتعامي، فتحوا آذانهم وأعينهم، وشعروا بالحرج من الإرث الاستبدادي. حان وقت الرحيل. أغلق مركز "الشتاسي" في برلين الشرقية وذهب رئيسه الى نيويورك يؤلف كتبا في الطبخ، تاركاً للناس حياتها الخاصة وأذواقها الطبيعية. ولم يعد أحد مرغماً على الولاء للرفيق أريش هونيكر، قبل، أو بعد الله.
استعاد الناس حرياتهم كأفراد وبشر. وخرجوا من الحزب الى الحياة. ومن القائد الى الفرد. وعندما خطب زين العابدين بن علي في التونسيين مردّداً، دون معنى، جملة ديغول في مونريال، "لقد فهمتكم"، كان الوقت قد فات. كان يجب أن تفهمنا من قبل، وما كانت المسألة في مثل هذه الصعوبة. فقط قليل من الفهم.
مع أن الحكام العرب اقتدوا بالحكام الشرقيين وقلدوهم في بسط الاستبداد، فاتهم ان يتعظوا من لحظات السقوط. تصرفوا جميعاً مثل تشاوشيسكو (والدكتورة إيلينا). بدل أن يصدقوا الحقائق صدقوا اللافتات البليدة التي تكتب بخط واحد على قماش موحّد في مدهنة بويا واحدة. في "بدايات" يلاحظ أمين معلوف وهو في هافانا، ان لا تماثيل ولا ملصقات لفيديل كاسترو. عندما يذهب لن يحطمها أحد ولن يمزقها أحد. الحاكم العربي لا يقبل شيئاً دون الألوهية. لكل زاوية تمثال وكل ساحة نصب.
انتهى عصر الوجوه المتحجرة مع ميخائيل غورباتشيوف، عندما حضرت مؤتمره الصحافي في جنيف عام 1985، رأينا رجلاً باسماً وبالغ الأناقة، يريدك أن تحبه لا أن تخافه، كما نصح ماكيافيللي، الذي استبدل الحكمة بالمكر والمعرفة بالخداع.
ميشال سليمان أراد ان نحبه. استخدم شجاعته من أجل الناس لا عليها. لم تأت شرعيته من صفقة السياسيين في الخارج، مع الخارج، ولا من 128 نائباً وقّعوا اتفاق الطائف ثم ألغوه، وأقرّوا قانون إميل لحود ثم أرغمهم على إلغائه بعد سبعة أيام. الشرعية الوطنية ممارسة لا منّة ولا هبة. هي في الذات الصادقة لا في الذات المنفَّخة. ميشال سليمان لا يمثّل الكتل ولا الأحزاب ولا أكثريات التهديد والزعيق، يمثل صوت لبنان الباقي. صوت الترفّق بالدولة. ومن بقي من ذوي الضمائر.
الانتصار ليس دائماً هو الحقيقة. إنها تتأخر غالباً في الفوز. تُهان وتُعذب. تنفتح أمامها الويلات. يكذّب في وجهها المنافقون، ويتراقص أمامها ذوو الدلع الرُّخاة الأحناك. انتظرَت الحرية في موسكو سبعين عاماً قبل أن تتمشّى في الساحة الحمراء وتتنزّه على نهر الفولغا. لكي يقوم حكم ستالين قضى نحو 30 مليون بشري. لكي يسقط ستالين وبيريا وبريجنيف وابنته، لم يسقط أحد. نفخت الحرية في وجه أبي الهول: ابتسم أيَّها الصنم المحنَّط وانقلع عن الصدور، وزِحّ من طريق التطور والحياة. خُذ موتك معك.
سقط في بلاد العرب مع سقوط النظام العربي، نحو 75 ألف قتيل في ليبيا، ومثلهم في سوريا، ونحو ألف في مصر وأين لم يسقط؟ في اليمن! ألم يُقل لكم إنه اليمن السعيد؟ تأمّلوا العالم العربي من المحيط الهادر الى الخليج الثائر: موت وخراب وفقر. 47% من أهل مصر و"قاهرة المعز"، يعيشون بدولارين في اليوم. إذا توافرا. وبغداد الرشيد تنسف نفسها كل يوم في الطريق الى الصلاة أو الى العمل. ومعرَّة أبو العلاء سوّيت بالأرض مثل نفتناز ودوما وإدلب. الحسكة بخير، لأنها تحت الحكم الكردي "الذاتي". من منكم يتذكر افتتاحيات الصحف السورية عن القصف الأميركي لفيتنام؟ هنيئاً للذين لا يذكرون كيف كانت دمشق "تثمّن نضال أحرار العالم". اعفوا ذاكرتكم من آلام الخيبة ومرارة المخادعة.
لم يبقَ حلم في آخر قرية عربية، إلاّ دمّر. لم تبقَ عائلة إلا فُرِّقت. لم يبقَ شعب إلا أُذِل. لم يبقَ يتمٌ أو ترمّل إلا نُشر. لماذا؟ لأن السلطان العربي بنى مجده على أن يُهاب لا أن يُحب. أراد البقاء، لأنه قوي، لا لأنه عادل. حطَّ بالاستقلال وطار بالحرية معلّقة في مخالبه كالفريسة المرتعدة.
عادت ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية من دون انتقامات. تكفّل الغني تأهيل المفتقِر. واختفت من الشرق سيارة "ترابانت" المقزَّمة البطيئة المدخَّنة المضحكة، لتمتلئ برلين الشرقية وشوارع لايبزيغ بما يصنعه الألمان عندما يكونون أحراراً. ثارات العراق لا نهاية لها. وثارات ليبيا مظلمة مثل العهد الذي انتهى في مَصرف صحي. كان القذافي قد وُلد في قرية في بادية سرت تُدعى جهنم. وقد عَمّم الاسم على أحد أكبر وأغنى البلدان العربية. أخذ طرابلس وأعطاهم جهنم. تأملوا العالم العربي جيداً. توقفوا قليلاً عند الصورة اليومية. لا تشيحوا بوجوهكم، فهذه أمتكم والفاعلون أنتم. مَن يختار تقديس الموت وتحقير الحياة ينتهي إلى هذا: موت رمادي في حياة سوداء. وشمس تغيب ولا تشرق. ولون مغربها لونان: قانٍ وحالك.
لا يغيب عن بال جنابكم أنهم يأتون جماعات في قدرية التاريخ: النوع الأول، والصنف الآخر: مانديلا، دنغ شياو بينغ، ليخ فاونسا، يوحنا بولس، ميخائيل غورباتشوف، أو بول بوت وجوزف موبوتو، وسلوبودان ميلوسيفيتش، وتشارلز تايلور وفوداي سنكوح. هكذا هي دائماً دورات التاريخ: غاندي ونهرو، أو ستالين وسالازار وفرانكو. يلهو بنا التاريخ ولا يمنحنا أن نفسر أحكامه: لماذا خرج أسوأ مصطلحَين معاصرَين من إيطاليا: الفاشية والتوتاليتارية؟ كيف تسير بلاد روما ويوليوس قيصر خلف الأجوف موسوليني والأفرغ برلوسكوني؟ وكيف يستطيع لي كوان يو أن يحوّل مستنقع برغش يُدعى سنغافورة إلى أقوى اقتصاد نسبي في العالم وأنظف قطعة مأهولة على وجه الأرض؟
كان غورباتشيوف أول من اشتمّ رائحة الاهتراء ليلة نام في الكرملين المرة الأولى، فقال لزوجته: "من المستحيل أن تستمر الأشياء كما هي" وسوف يقول لاحقاً في مذكراته إنه لم يكن من الممكن بقاء اقتصاد يدعم الأفكار العفنة ويعاقب المشاريع الخلاقة. وكان تمثال لينين واقفاً خلفه عندما تحدث عن "القوة الخارقة للحقيقة المجردة". ما من قوة تهزم إرادة البشر.
وإلى جنابكم ما قال في كتابه "بيريسترويكا"، الكلمة التي غيّرت وجه العالم وبلغت بلاد العرب عرجاء بعد ربع قرن: "في استطاعة المرء أن يضطهد ويُرغم ويَرشو ويُحطّم ويُفجّر، ولكن إلى حين. لا أحد يستطيع أن يُخضع الآخرين في المدى البعيد. فيتخذ كل منا قراره، ولنحترم ذلك القرار".
كان ليخ فاونسا يعتقد أن الحكم العسكري سوف يزوِّر انتخابات بولونيا، فلما لم يفعل فازت حركة "تضامن" بأكثرية مطلقة. وفي الانتخابات الحرة الاولى التي أجراها عسكر مصر لم يفز حزب مبارك بمقعد واحد. ربح جميع الآخرين. فقط في الانتخابات السورية لم يتغير لون المقاعد أو شكلها. فيما انقلب البرلمان التونسي والبرلمان المغربي، إلى ناخبيهم.
عندما سمع الروس أول صوت معارض في "الدوما"، خافوا أن يصدقوا. ثم انهال النواب بالهجوم على غورباتشيوف الذي كان تعليقه: "لقد انتفخ الناس من مديح بريجنيف حتى صاروا يعتبرون أن واجباً عليهم مهاجمة الرئيس". الحقيقة هي المهمة لا الانتصار. غياب دوري شمعون وكارلوس إده عن لقاء موارنة بكركي لا يلغي ثلاثة أرباع القرن من التاريخ، لا صلابة كميل شمعون ولا نقاوة ريمون إده. بكركي ليست بيت الأكثريات. في عظة الأحد يُقال طوبى للضعفاء وليس للملعلعين. وبكركي دورها أنها بيت لبنان ولا يجوز أن يصدر منها، تحت أي ظرف، ما سمّاه الوزير جان عبيد "غير المشروع في المشروع". وأفتح مزدوجين ضروريين لأقول إنني أقدّر الأستاذ إيلي الفرزلي وصداقته وظَرفه في قلبي، لكننا سوف نختلف معه في هذا الموقف، إلى أن يغادر آخر لا طائفي أرضاً خُلقت فقط من أجل أن تكون حضناً حيث لا تكون رحماً.
الانتصار موقت. الدائم هو الفوز. المعارك العابرة مخاض خارج الضمير وعلى هامش التاريخ. ويربح أهل الطمأنينة والخير والصالحات. الذين يتمشون فوق أقواس التاريخ فوزهم قلوبهم لا سياطهم. كم انتصر التمييز في جنوب أفريقيا؟ الفوز كان لمانديلا. كم صاح موسوليني؟ الفوز كان لجياع إيطاليا. كم حكم فرانكو؟ لم تدم الفرانكوية يوماً واحداً بعده.
نحن مع الذين يطلبون محبة الناس واحترامها وصدقها. لهذا السبب مع ميشال سليمان ولأنه متمسك بخُلُق الرئاسة حرفاً حرفاً. ولا أعتقد أن لأي لبناني أي مطلب آخر من أي سياسي. صارت الأخلاق حلماً وطموحاً بعدما كانت بساطة التربية وأصول البيوت، متواضعة أو مذهّبة ومخملها كثير.