لئن كان بإمكان أحد الصحافيين البوركينافاسيين طرح السؤال عمّا كان يمكن أن يحدث لو أن فرنسا انتابها العجز نفسه الذي انتاب البلدان الأفريقية حيال التدخل في مالي، مسارعاً إلى الإجابة بأن الكارثة كانت محتمة في هذه الحالة، فإن سؤالاً موازياً ينبغي أن يطرح عن تداعيات العجز الدولي عن إيقاف النظام الفئوي الدموي في سوريا، وما الذي يمكنه أن يحدث بعد أن أظهرت العواصم الغربية في الموضوع السوري النوع نفسه من العجز الذي يطبع، عادة، السياسات العربية.
نقول ذلك مع استدراكين. أوّلهما أن مقولة العجز قد ابتذلت كثيراً في اللغة السياسية العربية، وصرنا إلى ثرثرة لا آخر لها "ضد العجز"، ليست في الحقيقة إلا وجهاً كئيباً من وجوهه.
وثانياً، فإنه ينبغي التمييز جيداً بين ضرورة الحديث عن سياسة دولية غير ناجحة بمجملها على وقف المجزرة الشاملة التي يقوم بها بشّار الأسد ونظامه الأقلوي الدموي، وبين ضرورة عدم الانجرار إلى واحدة من تنويعات نظرية المؤامرة، التي تسيء إلى حيوية الثورة السورية حين توهم نفسها بأن كبرى العواصم تعقد الصفقات والمؤامرات ضد هذه الثورة. فهذا غير صحيح. الدعم الدولي للثورة السورية محدود. ومستوى التبلور السياسي للمعارضة السورية لا يسهّل الأمور كثيراً في هذا المجال. إنما، في الوقت نفسه، لا بأس من التذكير، بأنه، وحتى مع ارتفاع أسهم الأسلمة الراديكالية على الصعيد الميداني، إلا أنّ الدعم الغربي للثورة السورية لا يمكن المكابرة عليه. وفي كل الأحوال، لا يسع الثورة أن تكون لها ممحاة كتلك التي يستخدمها وليد المعلم لمحو هذه القارة أو تلك.
وإذا كانَ التدخل الفرنسي في مالي يستهدف تنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي، فبالتأكيد يمكن أن يشعر بعض الثوار بالانقباض في سوريا لأن النظام الفئوي الباغي فيها يستخدم فزاعة "تنظيم القاعدة". لكن وجب أن توضع لهذا الانقباض حدود. فبشار الأسد يهدّد، في دائرته الإقليمية طبعاً، حلقة من حلقات السلام العالميّ، مثلما أن "القاعدة" في مالي تهدّد في الدائرة الإقليمية لمنطقة الساحل هياكل الدول الوطنية المتداعية على أية حال. يمكن بالطبع "التطيّر" لأن التدخل الفرنسي يستهدف "تنظيم القاعدة" في الوقت الذي يتعامل فيه نظام آل الأسد مع السواد الأعظم من السوريين على أنهم منتسبون إلى "تنظيم القاعدة". لكن، التطيّر لا يمكن أن يحل بأية حال مكان السياسة. وفي السياسة، فإن الثورة ينبغي أن تنطلق من معادلات نظرية، من دروس يمكن أن نوجزها في ثلاثة.
الدرس الأول، هو أن المغالاة في إنكار أحقية حروب التدخل الإنساني جاء يخدم مفهوماً مسخاً للسيادة يكون معيارها حق المستبد في اضطهاد شعبه أو اقوام من شعبه أو من الجوار من دون أن يكون بمقدور أي كان ردعه.
والدرس الثاني، هو أنّ أي حرب تشنّها الامبرياليات الغربية ضد نظام ديكتاتوري أو ضد منظومة إرهابية في العالم الثالث، لا يمكن مقاربتها فقط من ناحية السرد التقليدي لأهداف الإمبريالية، إنما مقاربتها كذلك الأمر، وربما قبل كل شيء، من زاوية أنه لا يجوز التنقيب في كل هذا عن فرص للتنفس والتحرّر بالنسبة إلى أهل البلد الرازح تحت هذه الديكتاتورية أو المستباح من هذا الإرهاب.
أما الثالث، فهو أن الإمبريالية ليست خدمة إيصال الوجبات السريعة إلى المنازل، وليست غبّ الطلب، كلما طالبها أنصار قضية ديموقراطية بالتدخل، فكيف إن كانت هذه المطالبة لا تستقرّ على حال، حيناً تكابر على نفسها، وحيناً تسارع إلى نظرية المؤامرة، أو تستعين بالخفر، أو تجاهر ثم تلقي اللوم بعدم التلبية السريعة. وهذا رأيناه في مشاهد متفرقة من الثورة السورية.
مع ذلك، ورغم ما تظهره هذه الدروس الثلاثة، يبقى أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه باراك أوباما، ارتكب خطأ فظيعاً بعدم تلقين بشار الأسد الدرس الذي يناسبه.