لا يُفاجئ أي مواطن عربي توصيف وزير الخارجية السعودي لوضع العرب، إلا أن كثيراً من هؤلاء المواطنين تساءلوا حول توقيت إعلان هذا التوصيف الآن، فقد اختصر الطريق على أسئلة كثيرة قد تطرح عليه بقوله: «يواجه العرب مأزقا كبيراً في سوريا»، والمواطنون العرب على امتداد رقعة بلادهم يُدركون أنّ العرب يواجهون مأزقاً كبيراً منذ قرنٍ ويزيد، منذ تقسيم بلادهم، ومنذ احتلال فلسطين، ومنذ حرب اليمن العام 1967 ومنذ اتفاق القاهرة 1970 ومنذ الاحتلال السوري للبنان والاجتياح الإسرائيلي له، ومنذ مجيء الخميني إلى السلطة في إيران، ومنذ اجتياح صدام حسين للكويت، ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول، ومنذ احتلال أفغانستان، ثم احتلال العراق، ومنذ انفجار المشروع الإيراني للمنطقة العربيّة، ومنذ نشوب الثورات في الدول العربية من اليمن إلى تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى سوريا، بل منذ متى لم يكن العرب يواجهون مأزقاً كبيراً وفي كلّ شيء وأمام أيّ استحقاق؟! لم يفاجئنا التوصيف أبداً فأجيال تلو أجيال تشهد على الانتكاسات العربية المريرة والتمزّق والصراعات والمكائد والنكايات التي تلخص المشهد العربي!!
فاجأنا ربما؛ هذا الإعلان الحاد عن «العجز العربي»، والعرب عموماً يكرهون كلمة «عجز» إلا أنّ هذا واقعهم، وما يزيد مرارة الإحساس بهذا العجز أنه بات معلناً بهذا السفور للحقيقة الجارحة لكل مواطن في هذا العالم العربي، والإسلامي أيضاً ومن أقصاه إلى أقصاه، فاجأنا التشاؤم في الموقف السعودي ربما، فإذا كان أبو الدبلوماسية العربية وكبيرها يعلن عجز العرب وأنهم يواجهون مأزقاً كبيراً أمام ديكتاتور يقتل شعبه، فأي فسحة أمل تُركت للشعب السوري الذي يواجه الطغيان بلحم أولاده وشبابه وشيبه ونسائه وأطفاله؟!
لم يُخفّف شيء من كلام الفيصل من حدة صدمة الواقع العربي، بل زاد طينه بلّة حديثه عن «الذهاب مجددا والطلب من مجلس الأمن الدولي القيام بما يتوجب عليه في هذا الشأن»، وكأن الفيتوات الروسية والصينيّة تركت مجالاً للذهاب إلى الأمم المتحدة ولا نظنّ هذه الحقيقة بغائبة عن الأمير سعود الفيصل، فهذه لا يقلّ مأزقها كمؤسسة أممية حرجاً وعاراً عن الموقف العربي العاجز، فعلام العودة إلى الأمم المتحدة وتجريب المبادرة تلو الأخرى فيما يشبه تمديد وقت إضافي أو مستقطع للنظام السوري ليمعن في القتل وما يرتكبه من فظاعات، كأن تجربة كوفي انان الفاشلة لم تكفِ، ولا تجربة الأخضر الابراهيمي الأفشل كافية، ولا قبلهما تجربة المراقبين العرب والدوليين ورئيسهم الدابي كفّت ووفّت في فهم أسلوب النظام في التعامل مع أي مبادرة عربية أو دولية!!
مفاجأتنا الحقيقية ترتبت على تساؤل وزير الخارجية الأخير بسوريا ونظامها و»دوباراته»، تساءل الفيصل «ما الذي يتوقع منا أن نقوم به من أجل ان نفوز بالمعركة؟ الوضع سيىء جداً في سوريا، دمشق أقدم مدينة أصبحت مكانا للقصف كيف لنا أن ندرك إمكانية الوصول الى حل بالمفاوضات مع شخص يفعل هذا بأهله وتاريخه هذا أمر لا يمكن تصوره»، وانحصرت مفاجأتنا في التساؤل: «ما الذي يتوقع منا أن نقوم به»، وعملياً عوّل كثير من المواطنين العرب على موقف حاسم حازم تأخذه المملكة العربية السعودية تجاه روسيا تحديداً، ففي 14 تشرين الثاني من العام 2011 لم يستقبل مطار الرياض الرسمي طائرة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي كان متوجهاً للقاء وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، كما أن الوزير الروسي غادر ذاك الاجتماع قبل نهايته، بعد أن رفض المجتمعون الاستماع إليه، ألم يحن الوقت بعد لتسمع روسيا التي لا تفهم إلا لغة مصالحها ما يُناسب هذا المأزق العربي الكبير، ألم يحن وقت قطع العلاقات العربية معها وطرد دبلوماسييها وكل ما يستتبع ذلك من إجراءات اقتصادية، إلى متى يترك العرب الشعب السوري يذبح كل يوم على أيدي فلاديمير بوتين وسيرغي لافروف قبل بشار؟!
المطلوب موقف عربي عام من روسيا وزبانيتها، وموقف سعودي واضح يُنهي هذا الاستهتار الروسي بأرواح الشعب السوري، أمّا فيما سوى ذلك فتستطيع السعودية أن تفعل الكثير للمشرد في مخيمات اللاجئين، يعزّ علينا هذا الذلّ الذي يعيشه الشعب العربي السوري، وعلى رأس الدول العربية دولة كالمملكة العربية السعودية قادرة على كفايتهم وبلسمة جراحهم، فإذا كان العرب عاجزين في السياسة فهل هم أيضاً عاجزون عن إعانة إخوانهم السوريين وكفايتهم شرّ التشرد ومرارة الخراب الذي لم يستطيعوا أن يمنعوهم منه؟!