تصور العماد عون للاستراتيجية الدفاعية ومخالفته الدستور ومبدا المؤسسات الشرعية
المحامي جورج أبو صعب
قد يكون للبعض وجهات نظر منتقدة ورافضة لتصور العماد ميشال عون حول الاستراتيجية الدفاعية من منطلقات سياسية – اما نحن فموقفنا من التصور المذكور يرتكز قبل اي شيء على معيار القانون والدستور والعلم السياسي الموضوعي والمجرد.
من هنا نرى ان التصور الذي تقدم به رئيس تكتل التغيير والاصلاح يفتقد الى الحد الادنى من المصداقية الدستورية لانه جاء مخالفا لما نص عليه الدستور الذي هو في النهاية المرجع الاساسي والقانوني الاول لتنظيم وتسيير النظام السياسي اللبناني وتنظيم سلطاته واختصاصات مؤسسات الدولة في ايام السلم كما في ايام الحرب.
انطلاقا من التمهيد اعلاه نجد ان تصور الاستراتيجية الدفاعية للعماد ميشال عون افتقد للركائز الدستورية للنظام اللبناني وفق الاتي:
1)- من مراجعة مقدمة تصور العماد عون نرى انه اشار الى ان الاستراتيجية الدفاعية تتسم بشمولها جميع مؤسسات الدولة ومواردها لتتمكن من العمل ضمن اليات متكاملة تعتمد مركزية القرار ولامركزية التنفيذ :
فهذا الكلام يدل على ان اية استراتيجية دفاعية لا يمكن ان تبصر النور الا من خلال مؤسسات الدولة ومركزية القرار الذي هو بيد الدولة.
فالفقرة (د) من مقدمة الدستور واضحة لجهة تأكيدها على ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.
في المقابل وفي نفس نص المقترح نجد العماد عون في الفقرة المتعلقة بمعالجة الاخطار العسكرية الخارجية يتخلى عن منطق المؤسسات الشرعية والدستورية ويتبنى ثنائية عسكرية من جيش نظامي ومقاومة – من دون ان يحدد على سبيل المثال كيفية التنسيق والتعاون بين القوتين العسكريتين ولمن تكون مركزية القرار بينهما.
2)- في اطار معالجة الاخطار العسكرية الخارجية يشير العماد عون الى لجان مختصة تحدد شروط الاهلية والقدرة على الانخراط في هاتين القوتين ضاربا عرض الحائط بنص المادة ( 49 ) من الدستور التي تجعل المجلس الاعلى للدفاع اعلى مرجع عسكري في الدولة اللبنانية والذي يتولى قيادة السلاح الشرعي اي القوات المسلحة الشرعية على كافة الاراضي اللبنانية والذي يرأسه رئيس الجمهورية الذي هو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء.
كذلك ان اقتراحه اعلاه يخالف نص المادة (65) من الدستور لجهة قرار الحرب والسلم والتعبئة العامة واعلان حالة الطوارئ والغاؤها وهي صلاحيات محصورة بمجلس الوزراء دستوريا وهو الذي يتولى بالتنسيق والتعاون التامين مع المجلس الاعلى للدفاع امور تحديد شروط الاهلية والانضباطية والقدرة على الانخراط في مواجهة المحتل او الغازي.
3)- ان نص المقترح الذي تقدم به العماد عون يظهر بالتالي وكأنه ورقة عمل منفصلة عن الواقع الدستوري والنظامي اللبناني لان النص افتقد الى المنطلقات الدستورية التي تبنى عليها استراتيجية دفاعية ولو حتى في حالات الطوارئ والحروب حيث يبقى للدولة ولمؤسساتها ولا سيما الامنية الدور الاساسي في اتخاذ قرار المواجهة وفي تنظيم المقاومة العسكرية وارسال القوات المسلحة للتصدي للعدو على ان تكون تلك القوات مجهزة ومدربة ومستعدة بروح قتالية عالية لمنازلة العدو والغاصب – فلو كانت المؤسسات الدستورية تتعطل في ايام الحروب تحت حجة المقاومة للمحتل لما اوجدت المؤسسات العسكرية والقوات المسلحة والهيكليات العسكرية الشرعية لحماية الوطن.
ونشير في هذا السياق الى انه في المقدمة اشار العماد عون الى ان الدفاع عن بلد ما لا ينحصر في الشق العسكري والقتالي فقط – فلمؤسسات الدولة كافة دور فيه اذ لكل منها دور اساسي في اعداد الوسائل وتحفيز المجتمع وتعبئة القوى الداخلية والخارجية لمساندة الجهد الدفاعي.
فهذا الكلام يؤكد امرين :
الاول : ان العماد عون اطلق مبادرة مجزأة لانه وضع المبدأ الدستوري العام في البداية المتعلق بالدولة المقاومة والمستنفرة في كافة اجهزتها ثم عاد وركز مجمل ورقته على الناحية العسكرية وبالتالي عاد واهمل الدور الاساسي للدولة ومؤسساتها في قرار الحرب والسلم وفي تنظيم المواجهة مع العدو في كافة المجالات الحياتية والوطنية.
الثاني: ان النظام الدستوري هو الذي يحمي الشعب والدولة في ايام السلم كما في ايام الحرب من العدوان من خلال مؤسسات الدولة التي تتولى مصير الدولة والشعب والامة ووضع الاستراتيجيات والمخططات والسياسات وسواها في كافة المجالات الوطنية وليس فقط العسكرية – كما يقول العميد جورج بوردو "ان الدولة بكافة مؤسساتها ومكوناتها تقف في مواجهة الاعتداء جسما واحدا في خدمة الشعب ودفاعا عن الامة … "
من هنا الغموض الدستوري والقانوني في ورقة العماد عون حول الاستراتيجية الدفاعية.
فنص ورقة الاستراتيجية الدفاعية يطبق في اي زمان ومكان ويكاد يكون اشبه بمحاضرة لتلاميذ ضباط في المدرسة الحربية اكثر مما هي ورقة واقعية ودستورية المنطلقات في ضؤ النظام الدستوري والسياسي اللبناني.