#adsense

مسؤولية العهد والحكومة على المحك

حجم الخط

مسؤولية العهد والحكومة على المحك..!

من الحذر المتفلّت الذي يلف العاصمة وضواحيها، إلى التوتر المفاجئ في الجبل، إلى السجالات المحتدمة في مجلس الوزراء وصولاً إلى المنابر السياسية المختلفة… كلها مؤشرات عن <حالة عدم الاستقرار> التي تُهيمن على البلاد منذ فترة، وهي مرشحة للاستمرار فترات أخرى، أقلّه حتى إعلان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة.

ولعل أخطر ما أفرزته هذه الحالة المقلقة، ظاهرة العجز والتعطيل لآلية عمل المؤسسات الدستورية والإدارية، والتي تُهدد بشلّ عمل الحكومة نفسها، بسبب انتقال الصراعات السياسية وممارسات الكيدية إلى طاولة مجلس الوزراء، الذي تحوّلت جلساته إلى مناظرات ماراثونية من النقاش السفسطائي واللغوّ الكلامي، الذي غالباً ما ينتهي إلى تسويات باهتة، على نحو ما حصل في الجلسة الأخيرة عند تشكيل هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية التي نصّ عليها قانون الانتخابات الجديد – القديم!.

لقد اعتقد اللبنانيون أن انتخاب الرئيس التوافقي، وتشكيل <حكومة الوحدة الوطنية>، وتنفيذ بنود اتفاق الدوحة، من شأنها جميعاً أن تُفسح المجال أمام مرحلة واعدة من العمل الجدي لتعويم مفهوم الدولة، ودعم مؤسساتها الشرعية، بعد مخاض الاعتصامات والتعطيل القسري لمهمات الهيئات الدستورية.

ولكن جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، وكذلك معظم الجلسات التي سبقتها، خيّبت آمال اللبنانيين المراهنين على قيام الدولة، والمؤمنين بأن الحوار هو السبيل الأفضل لمعالجة الخلافات، وأن الممارسة الديمقراطية عبر صندوقة الاقتراع هي الطريق الأسلم لتحديد الخيارات الوطنية و…المصيرية!.

فهل كُتب على اللبنانيين السير على درب الجلجلة جيلاً بعد جيل؟.

ومَن يتحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية لتحويل الوطن الصغير إلى ساحة لمواجهات الآخرين على أرضه… ولتسوية صراعاتهم على حسابه؟.

* * *

الموقف الصريح والواضح الذي أعلنه رئيس وفد الكونغرس الأميركي النائب غاري أكرمان بعد لقاءاته مع الرئيسين ميشال سليمان وفؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري، مؤكداً أن <مستقبل لبنان ليس للبيع>، وأن لا تغيير للسياسة الأميركية في المنطقة، ولا التوصل إلى أية تفاهمات، يمكن أن تكون على حساب لبنان الذي سيستمر الدعم الأميركي له في عهد إدارة الرئيس المنتخب باراك أوباما.

هذا الموقف القوي والحاسم، على أهميته، لا يمكن أن يشكّل ضمانة استقرار للوطن الصغير، في حال استمرار مثل هذه الانقسامات الخطيرة في جسم المجتمع اللبناني.

ومهما بلغ حجم التعاطف الدولي مع مشروع الدولة والسيادة والاستقلال في لبنان، فالمجتمع الدولي لا يمكن أن يأخذ دور اللبنانيين أنفسهم في الحرص على مكوّنات وحدتهم، وفي الحفاظ على متطلبات حماية السيادة والاستقلال، وفي السعي إلى حياة تليق وتُلبي طموح الأجيال الصاعدة، وتؤمّن انتقال الوطن والدولة إلى مستوى مقبول من الأمن والاستقرار.

والانتخابات النيابية المقبلة هي المحك العملي لقدرة اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، على القيام بهذا الدور التاريخي لحماية صيغة الوطن – الرسالة من الانهيار، ولدرء الأخطار المحدقة بالبلاد والعباد من كل حدب وصوب!.

فهل يكون اللبنانيون، هذه المرة، على مستوى هذا التحدي المصيري الكبير؟.

إيماناً بقوله تعالى: <إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم>، وانطلاقاً من الحرص على عدم هدر الأشهر التي تفصلنا عن الاستحقاق الانتخابي، فإن الخطوة الأولى تقع على عاتق مجلس الوزراء مجتمعاً، لا سيما وأنه ضم كل القوى السياسية الفاعلة على الساحة من موالاة ومعارضة، وذلك من خلال العمل الجدي لإطلاق ورشة الإصلاح والبناء من جديد لإدارات الدولة، بعيداً عن أساليب المحاصصة السياسية، على أن يتولى رئيس الجمهورية صياغة توافق جديد يقضي بسحب مشاريع الإصلاح من البازارات السياسية والانتخابية، وإعادة ترسيخ الهدنة الإعلامية، وإشاعة أجواء التهدئة، حتى يتمكّن البلد من عبور الاستحقاقات المحلية والإقليمية والدولية المقبلة بهدوء، قد يساعده كثيراً في تخطي تداعيات الأزمة المالية العالمية التي تهزّ أركان الإمبراطوريات الاقتصادية والمالية الكبيرة.

ثمة فرصة كبيرة للإنقاذ والتغيير.

فهل نضمّها إلى مجموعة الفرص الضائعة… أم نعمل على التمسك بها بأسناننا هذه المرة؟.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل