اغتالوها، وزّعوا أوراق نعيها، حدّدوا ساعة دفنها، واستعدّوا للسير في جنازتها … كعادتهم في كلّ عمليّة إغتيال.
في الشكل والمشهد الخارجي، نجحوا. بل استطاعوا زرع شكوك وحذر وأكثر من عتب.
أمّا في العمق والمضمون، فما جمعه لبنان لا يفرّقه إنسان.
"14 آذار" أقوى من مكوّناتها، فكيف لا تكون أقوى من المتربّصين بها؟
لا تكتسب حصانتها من تآلف أحزابها ومستقلّيها، أو من مصالح قياداتها وحساباتهم وحصصهم، بل تستمدّها من ذاتها، من الأهداف التي جمعتها، من معنى شهادات شهدائها ، ومن الحلم الكبير النبيل الذي حشدها ذات صبيحة ربيعيّة قبل 8 سنوات، في ساحة جَمَع إسمُها مجديْن، بل قيمتيْن: الشهادة والحريّة.
ليست صدفة أن تتعثّر "14 آذار " ولا تقع. حَدَثَ ذلك مراراً، ولو كانت العثرة الأخيرة أشدّ ألماً وأثراً.
والفارق الجوهري بينها وبين " 8 آذار "، أنّها تعاقد لبناني حرّ بين روح وفكرة وقضيّة، أمّا الأُخرى فعقدة مجدولة على مشروع غير لبناني، تنفكّ بتفكّكه. في الأولى تَلاقي إرادات، في الثانية تقاطع مصالح. وشتّانَ ما بين الإرادة والمصلحة.
ما بدا أنّه خلط أوراق وتحالفات جديدة، بعد الانفراط " النظري " لعقد " 14 آذار "، لم يكن سوى غبار في الريح. والذين بدأوا يقترعون على ثوبها خانهم الحساب، وتاهت بهم الدرب. هم يربطون مصيرهم بمحور ونظام، وهي معقودة على مصير لبنان. هم المتغيّرون، وهي الثابتة.
وحين يقولون إنّها تراهن على سقوط نظام الأسد وارتباك سلاح " حزب الله "، لا ينتبهون إلى أنّ الرهان الحقيقي هو رهانهم على بقائهما: " 14 آذار " قامت واستمرّت رغم السلاح والنظام، فكيف يقومون هم ويستمرّون بدونهما؟
مثل يوم مشرق وسماء صافية بعد العاصفة، هكذا تبدو " 14 آذار " اليوم، فيما يحاول خصومها استيعاب صدمتهم، ولملمة حطام خطّتهم مع أشلاء " المشروع " الخبيث الذي استنفد لعبته في حساسيّات المسيحيّين وأعصابهم.
ما أطلقه الصوت المسلم العاقل والمعتدل، سواء في قانون الإنتخاب وحياد لبنان واللامركزيّة الإداريّة ومجلس الشيوخ، أو في الزواج المدني خلافا لكلّ تشدّد وغلو، يؤسّس لانتفاضة حياة جديدة في رسالة " ثورة الأرز "، ويُحيي ما بدا أنّه تلاشى منها أو مات.
والكرة الآن في ملعب الراقصين على الحبال: ماذا يقولون في المبادرة العقلانيّة التي طرحها سعد الحريري لاسيّما لجهة صحّة التمثيل في الدوائر الصغرى التي تحافظ على نسيج اللبنانيّين. بل، ما هو موقفهم من حياد لبنان عن المحاور والصراعات الإقليميّة. بل أكثر، ماذا يقولون في الدولة المدنيّة والزواج المدني، بعد لطو طويل الأمد، و" تقيّة " ثقيلة تزيد الحيرة والشكوك.
أجوبتهم الأولى تدلّ إلى مدى انكشاف خطّتهم، وسلبيّتهم السريعة تأكيد على رفضهم قيام وطن ودولة.
لقد بلَغْنا الخطّ الأحمر في كشف حقيقة المواقف ، بعد أسابيع من لعبة " المشروع المذهبي " واسثماراته السياسيّة الخطيرة .
أمامنا مشروع لتحديد مسار لبنان ومصيره، بدءاً من الإنتخابات وصولاً إلى الحياد. ولم نعُدْ أسرى لعبة ضيّقة تقتل روح لبنان إسمها " متاريس المذاهب ".
انفتح الأفق السياسي على أفكار كبيرة تليق بتاريخ لبنان ورسالته.
فليس تفصيلاً الكلام في الحياد والزواج المدني والدائرة الصغرى ومجلس الشيوخ واللامركزيّة.
وليست مسألة عابرة أن تعود الروح بقوّة إلى ربيع لبنان.
وأن تُثبت " 14 آذار " أنّها فعلاً ب … 7 أرواح !