الاعتداء على عناصر من الجيش او على قوى الامن الداخلي، في اي زمان ومكان، وتعمّد قتل بعضهم اثناء قيامهم بواجبهم الوطني، ونصب الكمائن لهم عن سابق تصوّر وتصميم، هي جرائم موصوفة، لا تختلف في شيء عن جرائم الارهاب، لان مرتكبيها يهدفون من ورائها الى ترهيب الدولة واذرعتها الامنية، والى ترهيب اللبنانيين، وجعلهم اسرى الخوف من السلاح والارهاب والقتل، هي مدانة باشد الكلمات والاوصاف، ولكن استفحال جرائم الاعتداء على الجيش وعلى القوى الامنية، مع ما تخلفه من شهداء وجرحى ومعوقين، وغضب لا يندمل في صدور الاهل والزملاء والناس الطيبين، تتحمّل مسؤوليته الاولى هذه الدولة الخائفة المستضعفة الممزقة بين الطوائف والمذاهب، وفي شكل خاص الحكومات التي طالما اخفت رأسها في الرمال وجبنت ولم تتعملق في الدفاع عن ضباط وعناصر في عمر الورود سقطوا شهداء اما على يد قطاع طرق ومهربي مخدرات وسارقي بيوت وسيارات وخاطفي ابرياء، واما على يد حزبيين موتورين يتصرفون وكأنهم يملكون الحياة والموت في ايديهم، ويجدون من يحميهم ويبرّر فعلتهم، تماما مثل الذين يفتشون عن حجج ساقطة واعذار واهية لتبرير ما يرتكبه المجرمون فقط لانهم من طائفتهم او مذهبهم او عشيرتهم او بلدتهم.
كم من مرة واجهت الحكومات والمسؤولون احداثاً مخلة بالامن، وجرائم الاعتداء على الجيش والقوى الامنية الاخرى والممتلكات العامة والخاصة، وقطع الطرقات واشعال الحرائق واقفال المرافق العامة بالقوة وبالحديد والنار وزراعة الممنوعات، باسلوب الضعفاء، اسلوب الامن بالتراضي، او بالتوافق، او بالترجي، دون ان يدركوا ان هيبة الحكم تتداعى مع كل حادثة من هذا النوع، وان عضلات الاستقواء تكبر وتنتفخ، وان دويلات القوة تنبت كالفطر على جذوع الدولة المهترئة والمهددة بالسقوط في اي وقت.
ليست المرة الاولى التي يشعر فيها المواطنون انهم اصبحوا بلا دولة ولا حكومة ولا وزراء ولا ادارات عامة ووزارات تهتم بقضايا الناس وتدير شؤونهم، ويزداد هذا الشعور ويكبر وينمو مع كل جريمة تقع بحق مدنيين ابرياء او قوى امنية اقسمت بالله العظيم ان تحمي الناس والوطن، واذ بها تسقط وهي تنفّذ هذا القسم على يد مجرمين يجدون دائماً من يكذب من اجلهم، بعد ان كان حماهم وامّن لهم المأوى والبيئة الحاضنة، وهذا ما حصل في عرسال وبريتال والعديد من البلدات والقرى التي تبني سقفاً طائفياً او مذهبياً فوق رأس الخارجين على القانون.
***
لا يقبل الواقع البائس كبير عناء، لكشف تقصير الدولة، وربما تواطؤ بعض من فيها، الذي كان سبباً مباشراً من اسباب استشهاد الضابط والرتيب وجرح تسعة عناصر في منطقة عرسال، فلو ان الحكومات السابقة حزمت امرها واحترمت شعبها ووجودها هي، وانزلت العقاب الحق بالذين قتلوا الضباط والعناصر في جرد الضنية منذ سنوات، وتصرفت كما تتصرّف الحكومات ذات السيادة والقانون، واقتصّت من المجرمين الذين قتلوا ضباطاً وجنوداً في مخيم نهر البارد، واطلقت سريعاً سراح الابرياء المظلومين، بدلاً من تكديسهم في السجون وتحويلهم الى قنابل موقوتة، ولو انها انتصرت لدماء الضابط سامر حنا وحاسبت من قتل الجنود الاربعة في كمين «ابطاله» معروفون من الجميع، ولو انها تعاملت مع جميع اللبنانيين، وكأنهم اسنان مشط، ما من احد اكبر من الآخر واعلى، ما كانت حصلت بالامس جريمة عرسال، وما كان استشهد من استشهد وجرح من جرح، ولكن البلاد الفالتة تعلم الناس القتل، خصوصاً عندما تغيب المحاسبة ويتقزّم القصاص العادل.
يقيناً ان هذه الحكومة لم تتعلّم، ولن تتعلم، ولا يبقى امام اللبنانيين سوى النضال والمثابرة عليه لاحقاق الحق وتأمين السلام والاستقرار، والاتكال دائماً على الله الذي يمهل ولا يهمل.