#adsense

دولة الرئيس، الاقتصاد أولاً

حجم الخط

يشعر اللبنانيون بان نواب الامة منشغلون في المقام الاول بالشأن السياسي سواء على مستوى قانون الانتخاب او تفصيل التعيينات الرئيسية لتتناسب مع ما يريده هذا الزعيم او ذاك.

لبنان الذي يفترض انه يمارس ما يسمى الديمقراطية التوافقية يعيش على حافة هاوية التفتيت المذهبي. هنالك مظاهر كثيرة في حياتنا تؤكد اننا نغرق في مشاكل الماضي، ولا تعالج القضايا الملحة حالياً والتحديات الواضحة مستقبلياً.

لقد اخترنا ان ننأى بلبنان عن النزاع في سوريا علماً بان النأي لا يمكن ان يكون شاملاً كاملاً مع تدفق النازحين وإلحاح حاجات السوريين لاستيراد الدواء والغذاء والى حد ما المنتجات الحرارية للحفاظ على قدرة توزيع المواد وانتقال الافراد، كما ان للبنانيين النسبة الكبرى من المصارف الخاصة العاملة في سوريا.

هنالك مساع حثيثة لتوفير مقدار من الطمأنينة والعناية للنازحين السوريين، ومن العناصر المساعدة على المبادرات في هذا الاتجاه، التبرعات من الدول والهيئات الخارجية، وبعض الدول العربية، وتركيز الوزير ابو فاعور بفاعلية وشفافية على تأمين مقدار من العناية يتناسب والحاجات وضمن طاقات توفير المساعدة، علماً بان الحاجات في تصاعد لأن أعداد النازحين تتزايد مع توسع رقعة القتال في سوريا.

أما الحاجات الاقتصادية والخدماتية للبنانيين، فلا تلقى من الحكومة والنواب الاهتمام الذي لقيته قضية المهجرين، ونقول ذلك ليس للاحتجاج على الاهتمام بالمهجرين، بل لتنبيه المسؤولين وفي مقدمهم دولة الرئيس الى ان تأمين الحاجات التجهيزية والاقتصادية والتشريعية المشجعة للاستثمار وتحسين خدمات القطاع العام امر بالغ الاهمية لمستقبل البلد، وفي رأينا أن هذا الامر يفوق في الاهمية المواقف السياسية المتعارضة التي سئم معظم اللبنانيين الحديث عنها، سواء في الصحف او على شاشات التلفزة.

ان من شأن السياسة بمعناها الضيق، أي التركيز اولاً واخيراً على قانون الانتخاب، وطمر الشؤون الاقتصادية والتجهيزية والاجتماعية والتربوية، أن تؤدي الى إبعاد الناس عن أي نظام تمثيلي حقيقي يعكس واقع ثقافة اللبنانيين وتطلعاتهم.

ابواب المستقبل لا تتفتح حينما تنفتح ابواب البرلمان للنقاش، فقد انقضت اشهر واشهر من غير ان نعالج أي قضية حياتية، سواء قضية الرواتب والاجور، التي هي في الواقع كتلة من الاخطاء النظرية والعملية والمطلبية، أم تأمين التيار الكهربائي والتغذية المائية، ومعالجة مشكلة السير، وتوفير شعور بالارتياح الى مسيرة الحكم وتوافق الوزراء والنواب على عدد من الاهداف المجتمعية ومن اهمها تحسين الصحة، ترفيع مستويات المدارس الرسمية، انجاز شبكة نقل الكهرباء، معالجة موضوع التلوث، اعتماد سياسة لتطوير مصادر المياه ومواردها، ومن ثم الإقبال على موضوع عقود النفط والغاز واستعمالات الموارد المالية من هذه الصناعة مستقبلاً.

قبل طفرة المال من النفط والغاز في حال اكتشافهما، والمدة لا تقل عن ثماني سنوات بحسب الخبرة المتوافرة من اكتشافات الغاز في اسرائيل، لا بد من رسم طريق، لأن الاستمرار من دون برامج واضحة ومبادرات شجاعة لا يبدو مشجعاً، بل على العكس، يبدو ان أثقال الديون، وتردي الخدمات العامة، وتأخر لبنان عن اللحاق بالتطورات العالمية والاقليمية كلها امور ستدفع البلد الى مراتب البلدان الاقل نمواً وتطوراً في العالم، علماً بان إمكانات التحرك والانجاز متوافرة، والمطلوب استفاقة الحكومة على هذا التحدي ومعالجته حتى لو بقي مجلس النواب مغيباً عن أي شأن سوى ابتكار قانون انتخاب يوفق بين التوجهات السياسية لمختلف المذاهب في لبنان.

لقد بادر مصرف لبنان، وليس للمرة الاولى، الى تبني برنامج يساهم من جهة في تحريك القطاع العقاري، ومن جهة اخرى في دعم المبادرات الانتاجية، وبرامج الحفاظ على الطاقة والبيئة وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وبرنامج مصرف لبنان يمكن ان يضخ في شرايين الاقتصاد اللبناني 1٫35 مليار دولار، لكن عملية التوزيع المفيد لن تأخذ سبيلها كاملاً الا بعد انقضاء ستة الى 12 شهراً، وتالياً فان التأثير الايجابي لن نشهد نتائجه كاملة قبل سنة 2014، علماً بان النمو هذه السنة سيتحسن بنسبة واحد في المئة ويتراكم بعد سنة 2014 الى ثلاثة في المئة، والمهم والملح ان تبادر الحكومة الى دعم برنامج مصرف لبنان بتحريك استثمارات في مجالات ترفيع البنية التحتية على الاقل.

هنالك 800 مليون دولار واكثر في صناديق بلدية بيروت، والعاصمة التي تضم نصف سكان لبنان وتساهم في 70 في المئة من الدخل القومي، تحتاج الى ترفيع تجهيزها البنيوي على كل صعيد، وتحتاج الى مباشرة مشاريع جديدة واعدة، وقد شهدنا اخيراً مبادرة العمل على ترميم بيت ذاكرة بيروت في السوديكو، لكن المشروع على أهميته لا يكفي لبعث الحركة الاقتصادية، وتحسين الرؤية للمستقبل لدى اللبنانيين.

اللبنانيون يطالبون، في بيروت، بطرق افضل، مجارير فعلية، أرصفة أمينة، كهرباء مستمرة، مياه نظيفة، نظافة افضل، ومعالجة للنفايات تساهم في تأمين الكهرباء والطاقة بدل استمرار الوضع الحالي.

والبلدية لديها المشاريع ولديها الاموال، وما يؤخر التنفيذ تباين في النظرة والمنهج بين المجلس البلدي والمحافظ. والواقع ان المحافظ القائم بالإعمال منذ سبع سنوات تحمل مسؤوليات كبيرة في طرابلس حيث هو محافظ بكامل وقته. آن الاوان لتأمين محافظ متفرغ لبيروت، واطلاق مشاريع تواكب مبادرات مصرف لبنان وتدفع النمو الى مستويات اعلى.

والامر ذاته يسري بالنسبة الى تمديدات المياه، واهمية المياه في الحياة اليومية ربما تفوق اهمية المحروقات، ولدى مصلحة مياه بيروت 200 مليون دولار مجمعة من قلة العمل على التطوير، والحكومة يمكنها دفع هذه المصلحة الى تنفيذ برامج ترفيع لشبكات الجر والتوزيع، وهذه المشاريع يمكن مباشرتها في وقت قريب لان القسم الاكبر منها يتمحور على اصلاح الشبكات تمهيداً لترفيعها.

خمسة أشهر تفصلنا عن الانتخابات، ربما نحن لا ندري، انما نحن متأكدون من ان الحكومة إن فعَّلت نشاطات بلدية بيروت ومصلحة مياه بيروت تكون قد اكتسبت ثقة اللبنانيين، وحينئذٍ لن ينقضي عهد الحكومة، والمواطنون يتساءلون ماذا فعلت ولماذا استمرت.

اننا نريد للحكومة ان تنجح في مسعى تحريك الاقتصاد وتحسين مستويات الخدمات العامة ومواكبة مبادرات مصرف لبنان. ولا نقول ذلك محبة بأحد ونكاية بآخر، بل نقول ذلك لان اللبنانيين شبعوا كلاماً وتصريحات وهم ينتظرون الانجاز. والانجاز ممكن في حال التفات المسؤولين الى حاجات اللبنانيين ونسيان مصالحهم الانتخابية ولو الى حين. واذا ما بادر الوزراء الى الانجاز سيعجبون من مدى استجابة اللبنانيين لمبادراتهم والتفافهم حولهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل