دمشق أمسكت مجدداً بتناقضات حلفائها وتستعد لمواجهة مع العرب وواشنطنيرى قيادي بارز في 14 آذار أن النظام السوري انتقل في سياسته اللبنانية من مرحلة دفاعية بدأت مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكانت سمتها البارزة التعطيل وجعل الحكم في لبنان مستحيلاً، إلى مرحلة جديدة هجومية هدفها النهائي إعادة الوصاية على هذا البلد، بعد المرور بمحطة انتقالية تتمثل في حصول حلفائه على حق الفيتو على أي قرار لبناني، أياً يكن الذي يشغل سدة الرئاسة، وأياً يكن الذي يشغل سدة رئاسة الحكومة، وهي محطة قسرية لا يفضلها حكام دمشق، بل يفضلون عليها الفراغ الدائم ثم الفوضى الشاملة، وهما أمران يمكنان النظام السوري من الوصول إلى الهدف النهائي بسرعة أكبر.
ويتوقف القيادي عند دلالات خروج الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله عن صمته وإطلالته الإعلامية التلفزيونية المطولة، ويضعها في خانة تبدلات عديدة حصلت في الأسابيع القليلة الماضية، في ملف علاقة النظام السوري بحلفائه، تنبئ بخطة سياسية-إعلامية-أمنية جديدة لهذا النظام، ستظهر جلية بعد عشرة أيام أو أسبوعين على الأكثر كما وعد نصر الله.
بداية يعرض القيادي في 14 آذار بعض التبدلات المذكورة على الشكل التالي:
أولاً: خرج السيد نصر الله في مقابلته التلفزيونية لينفي كل المعلومات عن ابعاده عن قيادة الحزب، ويدحض كل التقارير عن وجود تيارين سوري وإيراني يتصارعان القرار داخل حزبه. ولكن نصر الله أخفق في ذلك وأكد من حيث لا يدري تلك التقارير، لأن الأسابيع الماضية شهدت تصاعداً في التباين السوري-الإيراني حول لبنان، عبر عنه الانفتاح الإيراني على مصر التي تقف صراحة ضد عودة سوريا إلى لبنان، وكانت قد عملت منذ أشهر على إقناع اللبنانيين وغيرهم بخيار ترئيس قائد الجيش العماد ميشال سليمان، كسد منيع ضد هذه العودة. فما كان من دمشق إلا التدخل بقوة لدى حلفائها وفي مقدمتهم “حزب الله” لمواجهة هذا الخيار بشروط تعجيزية، وفي الوقت نفسه، ضغطت بقوة على بعض قيادات الحزب الموالية مباشرة لطهران، ليعود نصر الله إلى الواجهة ويقول: “ان إيران ليست لديها سياسة خاصة في لبنان”.
إذاً حسمت دمشق التباين مع طهران على قيادة “حزب الله”، الطرف الأقوى في المعارضة اللبنانية، واستمالته إلى صفها. ولكن ليس من دون شوائب. إذ لاحظ المراقبون أن صورة نصر الله الغائبة منذ أشهر عن تلفزيون الحزب (المنار) لم تظهر للترويج للمقابلة التلفزيونية المذكورة إلا بعد أن أطلقت المحطة المضيفة “أن بي إن” حملة ترويجية واسعة على شاشتها وفي الصحف المحلية لهذه المقابلة.
ويتابع القيادي: إن لخروج نصر الله العلني هدفا أبعد وأعمق، إذ ان “حزب الله” هو أيضاً قوة إقليمية كبيرة، وبعد أن استطاعت دمشق إحباط مبادرتي عمرو موسى الأولى والثانية، والمبادرات الأوروبية كلها، وآخرها الفرنسية، وجدت نفسها أمام تحرك مصري-سعودي عبر الدعوة إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب. فاستعانت بهذه “القوة الإقليمية” التي تهدد بتحريك الشارع بعد عشرة أيام، مضافاً إليها التحذير من حرب مع إسرائيل التي تستعد، في ظل قرار أميركي بتعطيل مفاوضات تبادل الأسرى، وكلها عبارات قالها نصر الله في مقابلته، ما يعني أن الاستخدام السوري لـ”حزب الله”، حسب رأي القيادي بات متعدد الأوجه لبنانياً وعربياً وإقليمياً (إيران) ودولياً (إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة).
ثانياً: الورقة الثانية التي أعادت دمشق إمساكها في لبنان هي رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي عمل لبعض الوقت على اجتراح حلول وسط لتسهيل الانتخابات الرئاسية، وكان أول من وافق مع النائب سعد الحريري على ترشيح سليمان وتوصل إلى صيغة وسطية لتعديل الدستور دون صدام مع الحكومة، وعندها تدخلت دمشق ومنعته من المضي في مسعاه انصاع لذلك ووافق على نقل التفويض السياسي للحوار إلى العماد ميشال عون، مكتفياً بدور مؤجل الجلسات النيابية الانتخابية المتتالية وإلى مستمع في لقاءاته مع ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية الذي رفض التعامل مع عون ومع أي أحد في المعارضة سوى الرئيس بري (بصفته الرسمية). واليوم يقف بري عاجزاً عن أي عمل سوى تنفيذ الإرادة السورية وكان آخرها تقديم منبره التلفزيوني إلى السيد نصر الله، في وقت يشن مساعدوه ونواب كتلته حرباً ضروسا على النائب الحريري ويتهمونه بأنه هو من عرقل وأحبط الوساطة الفرنسية.
ثالثاً: كان قرار تفويض عون بالحوار مع قوى 14 آذار في الأساس قراراً إيرانياً هدفه إبعاد “حزب الله” عن المواجهة التي ستتحول إلى مذهبية مع “تيار المستقبل”، ولكن دمشق وجدت في عون ضالتها، وعبر عن ذلك بوضوح وزير الخارجية السورية وليد المعلم في مؤتمره الصحافي الأخير، لأن عون حسب وصف العديد من المراقبين، وليسوا كلهم من أوساط قوى 14 آذار، هو جدار سياسي صلب، يلعب لعبة المعارضة ومن خلفها طالما تبعد شبح العماد ميشال سليمان عن قصر الرئاسة، وذلك بتعجيزه بالشروط، وعندما تنتهي لعبة المعارضة يظهر مطالبه الخاصة، التي لا يوافقه عليها بري وغيره، وهي تحديد ولاية سليمان إذا انتخب وجعلها سنتين كحد أقصى. وبانتظار جلاء الموقف داخلياً وخارجياً يحسب الجنرال أن الوقت لصالحه وليس لصالح العماد سليمان.
رابعاً: في الوقت الذي بدا نصر الله هادئاً في تصلبه حول السلة المتكاملة، خرج حلفاء آخرون لدمشق، مثل وئام وهاب، ليعلنوا أن المعركة لم تعد معركة رئاسة، بل معركة استبدال اتفاق “الطائف”، ويقول آخر أن تحرك المعارضة المقبل سيصيب هدفه هذه المرة.
ويردد القيادي معلومات أولية عن خطة التحرك التي ستنفذها قوى المعارضة في الأسابيع المقبلة، وتتلخص في إعلان العصيان المدني، مترافقاً مع إضرابات قطاعية حيث تحظى الأحزاب والقوى الحليفة لسورية بنفوذ قوي، بالإضافة إلى افتعال إشكالات أمنية على غرار ما حدث قبل أيام في منطقة البسطا.