أمّا بالنسبة إلى بقيّة حلفائه الذين توافقوا عليه رئيساً للحكومة، أي “حزب الله” وحركة “أمل” في الدرجة الأولى، فهو بالنسبة اليهم مجرّد “طربوش” لحكومة يتحكّمون هم بمفاصلها الأساسية ليس إلّا. ولا يبقى معه في الميدان إلّا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط، كلٌّ لأسبابه. فالأوّل ارتضى به دستوريّاً باعتبار أنّ غالبية نوّاب “8 آذار” سمّته لرئاسة الحكومة مع نوّاب “جبهة النضال الوطني”، والثاني وجد نفسه مضطرّاً للتحالف معه داخل مجلس الوزراء بالتعاون مع سليمان لكبح جماح فريق “8 آذار” وعلى رأسه “حزب الله” في السيطرة على البلد ولو بالحدود الدنيا.
كيف وصل ميقاتي إلى هذا الوضع؟ هل هي خياراته أم حساباته الخاطئة؟ أم الاثنان معاً؟ أم أمور أخرى.!؟
أوّلاً: في الخيارات:
1- لقد اختار ميقاتي طوعاً الانقلاب على حليفه الأساسي الرئيس سعد الحريري أوّلاً، وعلى قوى “14 آذار” ثانياً عندما قبل برئاسة الحكومة الحاليّة، وكان يمكنه الإيفاء بوعده الذي قطعه للحريري قبيل الاستشارات بأنّه لن يسمّي أحداً غيره لرئاسة الحكومة، غير أنّه نقض هذا الوعد وارتضى نفسه بديلاً حينذاك لحسابات خاصة أوّلاً، وتلبية للتواطؤ الدولي ثانياً الذي سمّاه دون غيره لرئاسة الحكومة، وكان شريكاً من دون شكّ لقوى “8 آذار” في إقصاء الحريري.
2- كان بمقدور ميقاتي أن يرفض ما عُرض عليه وقتذاك ويستمرّ حليفاً للحريري و”14 آذار”، لكنّه لم يفعل واختار ما اعتقد أنّه لمصلحته، فخسر على كلّ الجبهات دفعة واحدة: جبهة “14 آذار” وجبهة الحريري، إضافة الى بيئته السياسية في طرابلس وامتداداتها في مجمل أرجاء الوطن.
3- كان يمكن لميقاتي أن يرفض أن يكون غطاءً لـ”حزب الله” وحلفائه في “8 آذار” في انقلابهم على الحريري لكنّه أيضاً اختار طوعاً هذا الأمر، على رغم بعض الضغوط الدولية التي حصلت وكان بإمكانه رفضها وفقاً لنظرية “شوفو غيري”… “فأنا غير قادر ولا استطيع وسأخسر كثيراً سواءٌ حلفائي او ضمن بيئتي السياسية”، غير أنّه لم يفعل وقبل بالمهمة على عجل وكان ما كان!
ثانياً: في الحسابات الخاطئة:
1 – لم يكن ميقاتي “مبدئيّ” في حساباته السياسية. فهو بالنسبة إلى الكثير من اللبنانيين طعن حلفاءَه في الظهر عند أوّل فرصة أو مفترق طرق. صحيح أنّ اللعب مسموح في السياسية وكذلك المناورة والمشاكسة، غير أنّ التزام التحالفات مسألة مبدئيّة، وميقاتي أخلّ بها ظنّاً منه أنّه يستطيع بناء زعامته على أنقاض إخراج الحريري من السلطة وإخراجه من البلد أيضاً، وفقاً لوعود حلفائه له حينذاك. لكنّ حسابات البيدر لم تتوافق مع حسابات حقل “8 آذار”، فكانت الثورة في سوريا وانقلب السحر على الساحر واستمرّت شعبية الحريري لا بل زادت، فيما تقلّصت وانحسرت شعبية ميقاتي ولا تزال.
2 – إنّ من ادّعوا يوماً أنّهم حلفاء ميقاتي تخلّوا عنه عند مفاصل كثيرة وأساسية وتركوه يواجه مصيره لوحده. فسياسة “النأي بالنفس” التي رفع شعارها ولا يزال، أضحت بالنسبة إلى معظم اللبنانيين سياسة النأي عن الوطن وتنفيذ أجندة قوى “8 آذار”، بمعنى أنّ وجود ميقاتي في رئاسة الحكومة شكّل غطاءً لسياسة هذه القوى، ونأى بنفسه وبحكومته عن مسائل كثيرة تخصّ الوطن والدولة، أي أنّ سياسة النأي بالنفس كانت شعاراً مرفوعاً فقط من دون أيّ مضمون على أرض الواقع.
3 – لم يحسبها ميقاتي صَح، لا في السياسة ولا حتى في القضايا المعيشية والمطلبية، وها هو اليوم يبدو متروكاً من شركائه المفترضين في الحكومة أيضاً وأيضاً ليواجه وحده الوعود التي قطعها لهيئة التنسيق النقابية بإقرار سلسلة الرتب والرواتب من دون أن يدرك مصادر التمويل أو يتحسب لتداعياتها الاقتصادية على البلاد والعباد.
ماذا في الخلاصة؟
يبدو واضحاً أنّ ميقاتي بات أسير خياراته وحساباته الخاطئة. ورّط نفسه والبلد، أو كما يقال إنّه خسر الدنيا ولم يربح الآخرة… في السياسة طبعاً وليس في دينه ودنياه!