#adsense

لماذا انتقد عون اتفاق الطائف من على منبر دمشق؟

حجم الخط

لماذا انتقد عون اتفاق الطائف من على منبر دمشق؟

في ظل الانقسام المسيحي الحاد وتجميد مبادرة الصلح المسيحية، قام النائب ميشال عون بزيارة إلى سوريا متجنباً كل ما تحمله هذه الزيارة من تداعيات على الوضع السياسي في لبنان، متخطياً بذلك عتبة تاريخه النضالي ضد النظام السوري، ليعلن من دمشق مصالحة تخلو من المصارحة المؤلمة التي تقف عائقاً وتشكل حجر عثرة بما أقدم عليه عون، وما صرّح به أمام الكونغرس الأميركي، لقد حملت هذه الزيارة في طياتها رسالة متعددة المضامين والمحاور، ولعل المحور الرئيسي الذي يحاول النائب عون شرحه وتفسيره هو اعلانه القطب الماروني الأوحد بمباركة سوريا، ويكون بذلك قد تجاوز الصفوف وصولاً الى الصف الأول متجاهلاً فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي تم انتخابه لأول مرة بإرادة لبنانية صرفة دونما تدخل من الجانب السوري الذي أعد للنائب عون استقبالاً يليق بالرؤساء، وهذا ليس بروتوكولاً معتاداً لدى رؤساء الدول، وقد يفسر ذلك على نحو آخر، وخصوصاً من الجانب السوري، بحيث يريد الرئيس بشار الأسد افهامنا بأنه هو الذي يحدد الأولويات السياسية والقادة المحوريين في لبنان، كما حاول ان يختصر المسيحيين بشخص النائب عون الذي كان مناهضاً للنظام السوري طيلة عقد ونصف من الزمن، فهل يُلغي التاريخ بقرار.

لقد أعد عون حملة شعواء طيلة عقد ونصف من الزمن وكان ينعته بأقذر النعوت، وما زالت مواقف عون راسخة في ذاكرتنا، ولعل هذه المقتطفات التي سنوردها والتي اخترناها من أرشيف العماد عون عندما كان في منفاه في باريس، وصدرت في النشرة اللبنانية التي تصدر عن أمانة الإعلام عبر موقعه على الانترنت، خير دليل على ذلك.

أليس النائب ميشال عون هو القائل <سياسيون ومسؤولون يتنكرون لمواقفهم وسياستهم ومسؤولياتهم لينالوا البركة والرضى تنزلها عليهم مشيئة المتمول المتسيس… يبيعون تحاليلهم ومواقفهم ليلتزموا فكراً يغني جيوبهم وتحليلاً يبرر قبولهم؟ (النشرة اللبنانية في 25/6/1999 عدد 100).

أليس النائب عون هو القائل: لا شك أنه في عهود الانحطاط تكثر البدع والمفارقات، ولكنها في لبنان بلغت نوعاً وكماً يفوقان قدرتنا على التخيل والاحتمال، فكيف يمكن أن يكرّم قاتل من استشهد على يده، وأن ينشد قيماً حطمها وما زال يحطمها كل يوم، بمتابعة حملة الاضطهاد ضد المدافعين عنها؟ (النشرة اللبنانية في 30/7/1999 عدد 105).

أليس النائب عون هو القائل <لا يمكن لمسؤول أن يفقد الذاكرة ويفتقد الرؤية في آن معاً ويبقى في مسؤوليته الا في لبنان؟ (النشرة اللبنانية في 3/4/1998 عدد 36).

إن هذا التوصيف للنائب عون والذي يحدد من خلاله الخطاب الأيديولوجي الفكر اللبناني الحر وأخضعه لقواعد التدجين، حتى أصبح يقبل بما يُفرض عليه من دون اعتراض ويتبناه باسم الواقعية هرباً من الالتزام بقواعد المنطق ومبادئ الحق والعدالة (النشرة اللبنانية – في 18/6/1999 عدد 99)، وخلص عون إلى القول: انه اصبح من حقنا ابداء الرأي في النظام السوري، ونعلن رغبتنا في تغييره حتى يصبح متلائماً مع العصر، وصالحاً لشعب يسعى للحياة بكرامة وحرية، ويرغب بالخروج من الشرنقة المسجون فيها الى العالم الأوسع، لقد آن لحكام الزمن الرديء أن يفهموا انهم خارج التاريخ وقريباً تنتهي مدة استعمالهم (النشرة اللبنانية – في 10/9/1999 عدد 111)، هكذا كان رأي النائب ميشال عون في النظام السوري، فلو قرأ أو سمع الرئيس بشار الأسد هذا الكلام هل كان سيستقبله بهذه الحفاوة؟.

وبعد هذا الكلام كله، هل ينبغي علينا أن نلبي دعوة عون المترامي في أحضان النظام السوري، والذي يقدم له الطاعة للاعتذار من سوريا، أجل إنها لمفارقة تخطت كل التوقعات حين استقبلت سوريا رجلاً وصف نظامها بالإرهابي أمام الكونغرس الأميركي حين أدلى بشهادته في واشنطن في 17 أيلول 2003 حيث قال <لا يمكن للمرء منطقياً ان يفصل النظام السوري عن الارهاب، فسوريا توفر ملاذاً آمناً لعدد كبير من المنظمات الإرهابية…

يستخدم النظام السوري هذه المنظمات الإرهابية كأدوات ضغط استراتيجية سياسية خارجية. إذا كان هذا تصوّر النائب عون منذ العام 2003 عن الاستراتيجية التي اتبعها وما زال يتبعها النظام السوري لاستعادة السيطرة والهيمنة على لبنان، فكيف يمكن للعماد عون أن يغيّر نهجاً وسلوكاً لطالما استخدمه ضد النظام السوري ومؤيديه في لبنان، ثم ينتقل من معسكر الى آخر غير آبه بأولئك الذين ناصروه وأيدوه في قضيته، بل وطالب اللبنانيين بالاعتذار من سوريا، علماً أن الاعتذار ليس مطلباً سورياً؟.

كان النائب عون من أشد المعارضين لوثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في اتفاق الطائف ومازال، إذ يعتبرها مجحفة في حق الطائفة المارونية وخصوصاً موقع وصلاحيات رئيس الجمهورية، فقد اعتلى منبر النظام السوري ليُتحفنا من هناك مطالباً بتعديل أو نسف هذه الوثيقة التي أعادت للبنان أمنه واستقراره، ووضعت حداً للحرب الأهلية، وهنا نتساءل: لماذا أثار عون قضية اتفاق الطائف من دمشق، وهو يعلم ان علاقة سوريا بالمملكة العربية السعودية وُضعت في قالب من جليد؟. إن العماد عون بعدما خسر فرصة الفوز بكرسي الرئاسة الأولى، أصبح يتوق للعودة إلى زمن الفوضى والاقتتال مستعيناً بالنظام السوري، ومحرضاً على نسف اتفاق الطائف الذي كان حجر الأساس والركيزة الأساسية لعودة استقرار لبنان.

لقد تخلى العماد عون عن الثوابت الوطنية، وانجرف وراء تحقيق رغباته السياسية مستعيناً بمن يدعي انهم يمارسون الارهاب ويدعمونه، وإن دل هذا على شيء انما يدل على أن النائب عون ما زال يراهن على عودة النظام السوري مجدداً إلى لبنان، لذلك يستبق الزمن، ويعقد مؤتمراً صلحياً مع النظام السوري تحسباً لاصطياد فرصة سياسية قد تكون الرئاسة الأولى هدفه الأول بعد ضمور شعبيته وبشكل خاص على الصعيد الماروني، لذلك ان زيارة عون إلى سوريا الهدف منها دعماً انتخابياً وخصوصاً ان انتخابات العام 2009 سوف تتخذ شكل ومضمون حرب الإلغاء على المستوى الوطني عامة وعلى المستوى المسيحي بشكل خاص، في استعادة أوسع وأكبر لحرب الإلغاء التي حصلت عام 1989 والتي شنّها النائب عون حين كان قائداً للجيش ورئيساً للحكومة الانتقالية على القوات اللبنانية، تلك الحرب التي تتوافق جميع الأطراف المسيحية على أنها أضعفت المسيحيين والموارنة وأخرجتهم من مواقع القوة في معادلات الحكم، فحروب الالغاء من المنظور الوطني تهدف إلى تغليب خيارات فريق على آخر وخصوصاً في هذه المرحلة بين القطبين 14 و18 آذار، فاذا ما وضعنا زيارة عون في ميزان الربح والخسارة، وجدنا أن عون يخوض الانتخابات هذه الدورة بشعارات تمس مرتكزات العقل والوجدان المسيحي وشعارات تبرر بقاء السلاح في أيدي فئة لبنانية رغم تناقضها مع فكر الدولة وسيادتها واستقلالها، لذلك فان تراجع شعبيته مردها كما قال النائب بطرس حرب الى التغيير المستجد في مواقف التيار الوطني الحر من مفهوم السيادة والدستور ودور الدولة ومؤسساتها والجيش.
الأشهر القليلة المقبلة سوف ترسم الإطار الذي يُحدد من هو الرابح والخاسر في ميزان القوى عبر الانتخابات النيابية.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل