إنجازات 14 آذار والتسوية المشرّفة
اذا كانت الأزمة اللبنانية منذ أوائل السبعينات ما زالت تراوح مكانها حتى اليوم، واذا كانت الحلول السياسية لم تتوفر بعد، فإن ذلك يعود الى جملة من الأسباب الداخلية والخارجية. لسنا نحن هنا بصدد تعدادها وتفصيلها. إلا انه لا بد من الاشارة الى بعضها، وأولها الطائفية السياسية هذه الطائفية حالت دون تقدم المشروع الوطني في لبنان. وهي من الأسباب التاريخية لأزمات لبنان المتواصلة. لن نسهب طويلاً في هذا الموضوع. ولكن من الطبيعي القول في هذا الموضوع ولو باختصار، ان الطائفية السياسية هي بنت الجهل، وهي التي ساهمت في تفتيت أواصر هذا البلد، وهي التي غيّبت الديمقراطية فيه، وصنّفت الناس وجرّت امتيازات سياسية واقتصادية لفئة دون أخرى. وهي التي كانت تعزل لبنان عن عروبته. وكادت تلحقه بمشاريع خارجية. لذلك فإن الحل الوحيد لإلغاء الطائفية السياسية. لا بل الخلاص منها هو قيام نظام مدني حديث تعتمد الكفاءة بعيداً عن الأهواء والميول بما يكفل قيامة لبنان العلماني، لبنان الحداثة، وإن أي تخلف عن السير في ركب الحضارة ومدنية الأنظمة سيجر لبنان الى مزيد من التقاتل والتناحر، وسيعيدنا الى نظام 1864. وإن عدم مجاراة التطور قد يدمر لبنان، ويقضي على كيانيته في ما بعد. فصحيح أن اتفاق الطائف حدد ثوابت قيام دولة حديثة إلا انه للأسف لم يحدد فترة زمنية لإلغاء الطائفية السياسية، لا بل لم يأت على ذكر تمرحلها بشكل تدريجي، ولم يشر الى شيء من هذا القبيل. وفي هذا خطأ مميت. وهنا، لن نستفيض في شرح ما جلبت من ويلات، وما جرّت وراءها من فتن وأحداث كنا بغنى عنها لو أخذ كل ذي حقه حقه. ولو كانت المشاركة هي الأساس، لما وصلنا الى ما وصلنا اليه، ولما كان هنالك فجوة بين اللبنانيين لم نستطع ردمها حتى اليوم.
ونحن لسنا في معرض الملامة ولا الانتقاد لاتفاق الطائف. نحن هنا في معرض التلميح لهذه الثغرة التي كان ربما بالإمكان تفاديها. نحن كنا وما زلنا من مؤيدي اتفاق الطائف، لا بل من المشاركين الأساسيين والداعين اليه وقفاً للحرب والنزف. فلولا الطائف لما كان هناك اصلاحات سياسية، ولما تحرر ترابنا، ولما بسطت الدولة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، ولما قامت دولة المؤسسات، وتعزز السلم الأهلي، وتثبت الأمن. الا ان الطعن في هذا الاتفاق، ومحاولة تعديله، ساهم في تدهور الأوضاع وتعطيل الحوار، ومقررات الحوار الوطني، وألحق الضرر بعملية الوفاق السياسي، علماً انه المدخل الوحيد لقيامة لبنان الحداثة والنموذج واعادته الى ألقه ودوره واحياء الديمقراطية فيه، والى عروبته. فلولا الطائف لكان هنالك لبنان آخر، لبنان شبيه بجمهوريات الموز، وبقبائل القرون الوسطى. فالطائف أكد على عدم فصل لبنان عن عروبته، وأعاد له دور المؤسسات لا سيما منها الدستورية وأنعش اقتصاده. فأبعد عنه شبح التقسيم والتوطين.
وأهم ما في ذلك عزز العيش المشترك، وأوصى بقانون انتخابي على أساس المحافظة ريثما يتم وضع قانون انتخابي خارج القيد الطائفي، وإقامة اللامركزية الادارية. فأي تعديل أو مس به هو جريمة لا تغتفر بحق الوطن والشعب. وبالتالي مراوحة الأزمة اللبنانية مكانها، مذكرين بما حدث قبل الطائف من تدخلات وضغوط، ومن ثم بعد الطائف باغتيالات أطالت عمر الأزمة اللبنانية. ولسنا بحاجة للتذكير بما جرى طوال هذه السنوات العجاف. غير انه من المفيد بمكان أخذ العِبَر والعظات قبل فوات الأوان. فمن المبكر القول: ان تحسناً ما طرأ. نعم هنالك بعض التحسن حصل، ولكن طالما أن هنالك أنظمة شمولية لم تغيّر سلوكها ومعاييرها، طالما ان لبنان في حالة من التوتر والقلق. فلولا هذا الاتفاق الذي أخرج لبنان من كبوته وحقق بعض الاصلاحات السياسية، وأوصلنا الى حالة من الاستقرار، لغرقنا جميعاً في بحر الظلمات. ومع ذلك هنالك فريق مستمر في غوغائه وتعكير الأجواء. فريق لا يمت بصلة الى المقاومة والى تحرير الأرض. فريق كالذئاب اللابسة ثوب الحمل، أنهك الشارع ولم يقدم شيئاً للمعركة. ولم يستطع حتى حماية خلفية المقاومة يوم حققت نصراً مبيناً على إسرائيل. فالطبع غلب التطبع. لذلك، فريق (المعارضة) من الصعوبة بمكان أن يقلب نفسه من حال الى حال. أي من حال الارتهان والارتباط الى حال الحرية والانتماء للوطن. والعجيب انه تراءى للبعض ان هذه الأنظمة قد تتغير بشكل تدريجي بضغوط خارجية، أو بتحسين وإصلاح أوضاعها الداخلية، فتبين مع مرور الزمن ان ذلك كلام بكلام وكذب بكذب. والأكثر تعجباً استمرارها في شموليتها، وضرب الحرية والديموقراطية أكثر فأكثر. أنظمة قد يطول عمرها الى أجل غير مسمى، ولطالما هي على قيد الحياة ستبقى سداً منيعاً بوجه الحركات الاستقلالية والتحررية. فالوقت ليست وقت تلهٍّ ومداهنة، ولا ارتماء في أحضاء الغير. انه اصلاح لما تهدم وترميم ما تصدع. سيما وأننا نمر في حالك الأيام، وفي ظلام دمس، ايام شبيهة بأيام الردة والانحطاط. أيام خيل فيها للبعض انهم حملوا فيها أكاليل النصر والغار، متناسين أننا ما زلنا نغرق في الظلام، وأن الطريق معبدة بالأشواك والمخاطر، وأن الوصول للاستقلال الحقيقي ما زال بيننا وبينه مسافات ومسافات. ومتناسين كذلك ان النصر الحقيقي هو بالحرص على لبنان المتنوع العربي، وعلى قيام الدولة الواحدة الموحدة، دولة الحياد الايجابي وعدم الانحياز، بعيداً عن التبعية والالتحاق. فلنبدأ المشوار، مشوار الحوار، والتسوية المشرّفة. فلبنان ليس ملكاً لأحد. انه ملك الجميع، فلا أحد يستطيع ادعاء ملكيته، أو التحكم به بمفرده. بلد وهبه الله ما لم يهبه لأحد من تنوع، وثقافة، وقيم. من هنا، نعود فنذكر: بأننا ما زلنا أقوياء وإن كنا في منتصف الطريق، وإن كانت الرياح الخارجية لم تنحسر بعد، وإن كان الطامعون يحيطون بنا يمنة ويسرة، وإن حاول البعض فك طوق العزلة عنه، ومد الجسور مع العالم الخارجي عودة لتعويم واراحة نفسه، وفتح صفحة جدية معه. محاولاً هذا البعض من الغرب وأوروبا تطوير هذه الأنظمة ودفعها نحو الحرية والديموقراطية. إلا ان مساعيهم هذه باءت بالفشل وذهبت ادراج الرياح. ومع كل هذا الواقع الأليم مستقبل 14 آذار مشرّف سيما وأنها استطاعت ان تقاوم وتواجه، فكانت رأس حربة بوجه المشروع الآخر، والداعية للحرية والاستقلال وعدم الانحياز. 14 آذار التنوع تجاوزت كل الحساسيات المذهبية والطائفية ولا تزال، بالرغم من أن هناك مصاعب واجهتها جعلتها تتعثر في بعض الأحيان. إلا ان إنجازاتها التاريخية ماثلة للعيان. وفي مقدمة هذه الإنجازات إنجاز الاستقلال وإنجاز الانتخابات عام 2005.
وها هي اليوم تحقق انتصاراً نقابياً وطلابياً، له دلالاته وأبعاده، ستبدو مفاعيله في الانتخابات المقبلة عام 2009. أما القول الفصل نهائياً، فهو في الانتخابات النيابية القادمة. فإما أن تبقى 14 آذار على رأس المسيرة، فيبقى لبنان، لبنان أولاً. وبقاؤه ببقاء قراره المستقل حصراً، وإما أن نفشل فيبقى دائراً في الفلك الاقليمي وفي حالة احتضار دائم. لا، لا، لن يسقط لبنان ما دمنا رواد التسويات المشرفة، من دون تنازل، وما دمنا نبحث عن وسائل للحوار لإرساء قواعد التسوية. على كل حال، بالرغم من الرياح العاتية التي تهب علينا بين الحين والآخر ومسلسل العنف هذا، فإن مقومات وركائز هذا البلد ستبقى ثابتة، ولن تهزها أعاصير الدهر ونوائبه. وإن كل الاتفاقات والمؤتمرات ابتداء من الطائف والقرارات الدولية وصولاً الى مؤتمر الدوحة، وإن ألحقوا بها بعض الخروقات، فإنه سيأتي يوم ستكون فيه قيد التنفيذ والتطبيق، فالآتي قريب، والحق لن يضيع.