كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”
لم يطل رئيس مجلس النواب نبيه بري الوقت، ليتناغم مع دعوة وزير الداخلية مروان شربل إلى إعلان حالة طوارئ سياسية وإلى اجتماع مجلس النواب للتوقيع للأجهزة الأمنية على موافقة لمعالجة أي خلل أمني، مؤكداً أن “الوضع الأمني في البلاد صعب ولا بد من وثيقة دفاع لتجنيب لبنان الانقسام”، فقد أعلن بري ان “الوضع الأمني مقلق”، واضعاً أولوية الأمن قبل الانتخابات”، ومنتقداً ما يحصل لأنه “استنزاف لصورة الدولة”.
ورأى ان التعامل الأمني مع بعض الحالات والظواهر “كلعبة القط والفأر في حين أن الوضع يتطلب حزماً وصلابة لمنع الانفلات”.
هذه الديباجة كلها تشير إلى أن الرئيس بري يعمل من أجل تأجيل الانتخابات، عبر ترك موضوع إقرار قانون انتخاب جديد في مهب رياح تطورات المنطقة وإملاءات “حزب السلاح” ومن وراءه في اللحظات الحاسمة، من دون أن يتخذ موقفاً واضحاً في علاج المشكلة، ومنها الدعوة إلى استقالة الحكومة المسؤولة عن توفير الأمن للبنانيين وعن خلق مناخات ايجابية تسهل التوصل إلى الاستقرار الذي يولد الأجواء المناسبة لقيام مجلس النواب بدوره بإقرار قانون انتخاب يصوت عليه بشكل ديموقراطي، دون الدخول في زواريب التوافق الثنائي أو الثلاثي، والتسبب في شرذمة اللبنانيين وأخذهم إلى الحرب مجدداً تماهياً مع ما يجري حول لبنان.
ويدفع طرح الرئيس بري الجديد إلى التساؤل “أليس تجهيل الفاعل مشاركة في الجريمة؟”، إذ كيف يرضى بقانون مفصل على قياس البعض لشرذمة اللبنانيين؟ قانون وُضع تحت رهبة السلاح ولخدمة حليف “حزب السلاح”، بينما الحل واضح وهو التوقف عن الايغال باغتيال لبنان لصالح النظام السوري أو حليفه النظام الإيراني، وتسليم سلاح “حزب الله” إلى الجيش اللبناني، عندها لا مشكلة أمنية تلغي سير الحياة الديموقراطية في البلاد وإلغاء هيمنة قرارات هذا الحزب على الحكومة التي أتى بها ورعاها، في الوقت الذي يظهر يوماً بعد يوم تورطها في إشعال فتائل الفتن من طرابلس إلى صيدا، حيث تدعم مجموعات مسلحة ويتم السكوت عن ممارساتها اليومية، ليس في لبنان ما يخبّأ على المواطن، واللعبة السياسية مفضوحة، والتهويل بالمشكلة الأمنية لعدم إجراء الانتخابات أو تأجيلها، يعني شيئاً واحداً ان التفصيلة التي تم وضعها لم تكن على المقاس تماماً، ولا بد من التعديل أو تفصيل مشروع جديد يكون أكثر ملاءمة للإتيان بأكثرية تضمن هيمنة “حزب الله” وحليفه العوني، أو ربما يكون انشغال هذا الحزب بخلق الفتن والتهديد بها لتغطية تورطه في الحرب السورية، وراء تناغم بري تحت عنوان “الابقاء على البلد”.
وفي هذا المجال يؤكد عضو كتلة “المستقبل” النائب جان أوغاسابيان ان “الأولوية للأمن صحيح، لأنه إذا فلت الوضع الأمني نتيجة تراخي الحكومة والفلتان على الحدود وفي ظل التعبئة المذهبية في الداخل وتعميم منطق السلاح الناتج عن السلاح الموجود في يد فريق من اللبنانيين والذي يشكل سبباً لتسلح آخرين لحماية أنفسهم والدفاع عنها، وهذا منطق نرفضه، من هنا مطالبتنا بحصرية السلاح في ظل دولة تقوم بمهامها على الشكل الصحيح واعتبار كل سلاح ليس بيد الجيش اللبناني سلاحا غير شرعي، كونه غير موضوع تحت سلطة الشرعية اللبنانية”.
ويرى ان “الوضع الأمني في غاية الخطورة، والأخطر اننا كنا نطالب بخروج الجيش السوري من لبنان واليوم صرنا نطالب بخروج حزب الله من سوريا، لأن هذا التدخل ينعكس سلباً على وضعنا الداخلي، والحرب الدائرة في سوريا والتي تنحو لسوء الحظ نحو أخذ بُعد طائفي ومذهبي، وانخراط حزب الله في الحرب الدائرة هناك، يؤدي إلى تنامي مجموعات مسلحة لبنانية من سلفيين وغيرهم وينتج حافزا أو اعذارا لدى الأطراف الأخرى حتى تدافع عن نفسها، سلاح يولد سلاحا وعنف يولد عنفا، والمذهبية تولد مذهبية مقابلة عند الآخرين والتطرف يولد تطرفا، كل شيء يلحق بعضه البعض، وبالتالي لدينا حكومة غائبة عن الوعي، حكومة لا ترى ولا تسمع ولا تريد ان ترى وتنأى بنفسها عن كل مسؤولياتها على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية حتى يأتي أمر المهمة وتنأى بنفسها عن حماية اللبنانيين على الحدود، والحدود فالتة”.
ويضيف: “نسمع عن مشاريع مستقبلية حول المنطقة ككل، حول الجسر الذي يحكى عنه حتى في الأمم المتحدة تم تناوله، حول وجود قرى في ريف حمص، وهي القرى التي تشكل وصلة بين الجبل العلوي والبقاع الشيعي، هذه الأمور تنذر بمخاطر كبيرة، صحيح الأمن أولاً وإذا لم يكن الأمن موجوداً فلا استقرار سياسيا ولا تفاهم، وإذا لم يحصل التغيير في الإدارة السياسية المسؤولة عن تأمين الأمن في البلد وإذا لم يقر “حزب الله” بأن إدارته للحكومة تأخذ البلاد إلى مواجهات وعليها الاستقالة والاتيان بحكومة انقاذية في ظرف استثنائي فإن الوضع قد ينفجر”.
وعما إذا كان حديث بري عن الأمن أولاً محاولة للتنصل من مسؤولياته تجاه التوافق على قانون انتخاب، يشدد أوغاسابيان على أن “ما يقوله صحيح، في مثل هذه الأجواء والانقسامات الموجودة في البلد والتوترات المتنقلة وكل مظاهر السلاح التي نراها في الخطابات التهويلية السياسية وخطابات رجال الدين من هنا وهناك، يكون من الصعب إجراء انتخابات، يمكن أن تحصل الانتخابات في أجواء الاستقرار والتهدئة، ولكن تكون كارثة إذا حصلت في ظل “مشروع الفرزلي” الذي قد يفتح المجال نحو مزيد من التطرف والتوتر والتوتير، نحن مع إجراء الانتخابات في وقتها في المبدأ، لكن مشكلة سلاح “حزب الله” واضحة، إذ انه يخلق مناخات أمنية بغاية الخطورة، وأخطر مما يدرك البعض، وفي ظل الحرب الدائرة في سوريا وقتال “حزب الله” إلى جانب النظام في سوريا لا أعرف كيف يمكن أن نخرج بقانون انتخاب أو نتفق على قانون في لبنان”.
ويلفت إلى أن “البعض يعتبر أن ما يجري على الساحة اللبنانية مجرد أحداث أمنية متفرقة”، مؤكداً أن “ما يجري في البلاد خطط مرسومة ويجب ألا ننسى أن هناك تدابير تتخذها الدول الخليجية والعربية والأوروبية تتعلق برعاياها في لبنان وهي مؤشرات، كما أن حديث الرئيس العراقي نوري المالكي عن ان سقوط الأسد سيؤدي إلى حرب أهلية في لبنان وفتن، يتلاقى مع كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عن أن الفتنة باتت قريبة والخطاب الذي يقابله، نحن اليوم في حال أخطر مما تعتقده الناس”.
ويشدد أوغاسابيان: “نحن نريد قانون انتخاب عادلاً وانتخابات في مواعيدها، ولكنهم وتّروا الأجواء الأمنية وأرادوا تمرير قانون انتخاب يفوزون من خلاله بأكثرية نيابية”، معتبراً أن “لا مصلحة لنا بتمرير مشروع الفرزلي اطلاقاً، في جلسة عامة لمجلس النواب في ظل هيمنة السلاح وهذه الحكومة، ولذلك قد يكون من الأفضل إعطاء فرصة للبحث في قانون مناسب أكثر، وإلا فإن إقرار مثل هذا القانون سيكون كارثة على لبنان”.
وعما إذا كان يتوقع تأجيلاً للانتخابات يوضح: “قد تتأخر الانتخابات، ولو اتفقنا على قانون انتخاب مختلط والذي يجري الحديث عنه اليوم، والتفاهم على المقاعد التي يمكن أن يتم عليها الانتخاب وفق النظام الأكثري والمقاعد التي يمكن أن يتم عليها الانتخاب وفق النظام النسبي، فهذه مسألة ليس من السهل التفاهم عليها وتحتاج لبحث مطول، ولذلك قد نكون بحاجة إلى مهلة تقنية تجدد أولاً ولكن القانون يكون موجوداً”.
ويرد على اعتبار البعض أن إجراء الانتخابات البلدية دليل على إمكانية إجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها بالقول: “انه كلام غير واقعي، فالبلديات التي جرت فيها الانتخابات البلدية، من مذهب واحد وانتخابات لها طابع عائلي لا تؤثر كثيراً في التركيبة السياسية أو التوازنات السياسية في البلد في هذه المرحلة”.
ويضيف أوغاسابيان: “إذا كان المرء لا يريد أن يرى أن هناك مشروعاً إيرانياً في المنطقة ولا يريد رؤية وجود حرب سنية شيعية ولا يريد أن يرى أن لبنان أصبح داخل الحرب السورية ولا يريد أن يرى أن هناك تنامياً للمجموعات المتطرفة، فهل تكون انتخابات بلدية القبيات مؤشراً الى وضع ما للقول إن البلد في هذه الوضعية أو تلك. نحن نقف على حافة الهاوية ويجب عدم الاستخفاف اطلاقاً بالتطورات التي تجري على الأرض”.
وعن الحل يقول: “خارطة الحل تبدأ باستقالة هذه الحكومة وتشكيل حكومة انقاذية استثنائية في ظرف استثنائي يتوافق عليها كل الأطراف في لبنان وعودة هيئة الحوار للاجتماع بعد تشكيل الحكومة الجديدة وإعطاء المجال للوصول إلى قانون انتخاب تتفق عليه كل الأطراف، لأن الثنائيات تؤدي إلى حروب، في الماضي كانت تؤدي إلى أزمات سياسية، أما اليوم فوجود قانون انتخاب يهمش نصف الشعب اللبناني يأخذنا إلى فتنة أو حرب أهلية لا إلى خلاف سياسي”.
ويختم مشدداً على أن “الإدارة السياسية للبلد من قبل حزب الله لا يمكن أن تستمر وهذه الحكومة يجب ان تستقيل وبسرعة لإنقاذ لبنان، وفيما بعد تجري الانتخابات وتحدد ملامح المرحلة الجديدة، انطلاقاً من ان الجميع ملزم بالتوافق لأنه لا يمكن لفريق التغلب على فريق آخر، وكل من يحاول التغلب على الآخر سيجرنا إلى حرب وليس إلى أزمة سياسية”.