#dfp #adsense

الانتقام السوري مستمر الرئاسة والجيش والكنيسة

حجم الخط

السياسيون في وجوم والشعب خائف لماذا؟
الانتقام السوري مستمر
الرئاسة والجيش والكنيسة
اسكندر شديد


عبثاً قراءة السياسة خارج التاريخ. ونعمة كبيرة للبنان أن تكون قراءة شعبه هذه القراءة. إذاك ينتقل من الزعاماتية الى القيادة، ومن العشائرية الى ديمقراطية التوافق، مدخله الى سلامه الذاتي، ومحرك رسالته ودوره.


تستحق الراهبة من لبنان في كتابها الى سيدي البطريرك(1) وقفة تأمل. ففي كلماتها تعبير كبير عن الرجاء المسيحي، وأمل أكبر بأن تكون بكركي وتبقى، تلك الصخرة التي أُرسِيت رئاستها في انطاكيا، على اسم بطرس، هامة الرسل. وما الألم الذي يرشح من مقاطع الكتاب، إلا ذاك الذي يعرفه المسيحيون على مدى تاريخهم، ألم ارتقاب القيامة بعد طول معاناة، وألم انتصار الإنسان على الذات، في صراعه لبلوغ المراتب المُعدَّة لأبناء الآب، الذين جاهدوا الجهاد الحسن.

   
هكذا تُقرأ دعوة العذراء الخائفة والعارفة تمامًا أن أولاد الرضى قادرون على أن يقيمون سلام الأرض. وهكذا تفوز بتحية، ولو الى حين.


ويستحق الصحافي ساطع نور الدين، في مقاله (2)، وقفة تأمل أخرى، في ما يُشكِّل شهادة طيبة من كاتب مسلم على مدى انشداد أبناء دينه الى الكرسي الماروني العريق، في ما يقول صاحبه ويفعل، ولا سيما عظاته ورسائله الى أبناء شعبه واللبنانيين، في المناسبات المسيحية الكبرى. فجميل أن يعرف اللبناني عمومًا، أن ممارسة حوار الأديان فوق أرضه سبقت الحديث عنها في المحافل الدولية عقب سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين وأيديولوجيات العنف والقمع والستار الحديدي. وأن يعرف أيضًا أن هذه الممارسة بدأت عنده عفوًا، من القواعد الشعبية والمثقفة، قبل أن يُظهِّرها الميثاق الوطني، ثم الدستور والقوانين ذات الصلة، وأن المآسي التي غلبت على حياته، تأتي تأكيدًا لصحة إيمانه، فالأخير هو القاعدة، وكل ما يعترضها هو الشواذ.


الكنيسة، وفق نور الدين، لا تزال حتى اليوم تمثل روح لبنان، تختزل الهوية اللبنانية، وتختصر العصبية الوطنية المتجذرة، على رغم الاتهامات السياسية المتبادلة الآن بين القوى السياسية بالولاء للخارج، وعلى رغم الاقتناع الخارجي المُتجدِّد، بأن الجنسية اللبنانية ليست سوى مهنة يحترفها اللبنانيون، أو هواية يمارسونها في أوقات فراغهم أو بين هجرة وأخرى. ورسالة الميلاد كان ينتظرها المسلمون كل عام، يجادلون في قراءتها. يتفقون على بعض بنودها، ويختلفون على بعضها الآخر، أو يحارون في تفسيرها، قبل أن يُسلِّموا بالسر الدفين الذي تحفظه بكركي وحدها من دون سواها من المؤسسات الدينية والسياسية في لبنان. على هذا كله، لنور الدين تحية أيضًا، ولو الى حين.


ما لا يستحق بعد الوقفة العابرة تحية، يبقى النائب ميشال عون. فهو أتحف المسيحيين واللبنانيين بكلام معايدة أمام وفد شعبي من جبيل، يهمنا منه نقطتان:


-الأولى حملته على البطريرك الماروني الذي لا يمثل رأيًا عامًا، هو يمثل رأس الكنيسة، وهو حر بأن يتكلّم أو لا، وهو منتخب مدى الحياة.


-الثانية اعتداده وفخره بأن مسؤوليته مسيحيًا هي الأولى، لأنني الأول بين ممثلي المسيحيين في لبنان حتى إشعار آخر.


ثم عودته الى التحامل على البطريرك بالقول: أهلاً بغبطة البطريرك إذا كان منتخبًا ممثلاً عنكم، ولا مشكل لدينا أبدًا. ولكن أن يكون القرار في مكان والمسؤولية في مكان آخر، فهذا لا يجوز. هل غبطة البطريرك منتخب من الشعب؟ هل نحن مسؤولون أمام الشعب اللبناني أم لا؟ إذا كنا نحن مسؤولين تجاه الشعب اللبناني لأنه انتخبنا، فليس لغبطته أن يُقرِّر عنا. وأخيرًا باقة الكلام: نحن لا نتكلّم مسيحيًا، ولكننا أُجبِرنا على هذا الخطاب المسيحي! أما ترشيح العماد سليمان، فهم (الأكثرية) الذين أسقطوه ولست أنا!


ما كان لدمشق أن تنتظر أفضل من موقف كهذا، مهّدت الطريق أمامه في كلام السيد فاروق الشرع الذي نعى الحلول في لبنان، وهيأ الأجواء لعودة الحديث عن إياب سوري الى الساحة اللبنانية، ثم أتبعته بما يمكن اعتباره مباركة للفم الذي باح به، على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم الذي أوضح صراحة أن مَنْ يريد الحل في لبنان، عليه مراجعة عون، فهذا الحل في جيبه. أولم يكن عون أول مَنْ دلّ الى هذه الجيب منذ أيام، قائلاً أنه صاحب الحل الوحيد؟


الواقع أن دمشق أدركت منذ البدء أن عصب الوطن اللبناني ومُلهِم الحرية فيه والداعي الى ديمقراطيته في تلاقي المسيحية والإسلام، هم الموارنة، والمسيحيون في شكل عام. لذا كان صراعها الدائم معهم في المقام الأول، ليقينها بأن امتلاك القرار اللبناني بوضع اليد والوصاية، يمرّ بتحطيم المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها الوجود المسيحي الحر عندنا.


ومَنْ يراجع سريعًا مسلسل الأحداث منذ الستينات، ومجرى الصدامات اللبنانية ـ السورية، يتبين له أن الهدف الرئيسي لدمشق كان تلك المرتكزات: معركة فمهادنة، ثم معركة فمهادنة، الى أن تنتهي الى قضم هذا الوجود، ومعه لبنان.


الأوضاع العامة في لبنان تقول اليوم بانسداد الآفاق أمام أي حل. وأهل السياسة باتوا يعترفون بذلك، ويتخوفون فعلاً من الآتي الأعظم. وكأن مصير البلاد محكوم بواقعَين مرَّين:


-أولهما أن الخارج العربي والدولي يواجه استحالة في إخراج لبنان من محنته، لأسباب تتباين من عاصمة الى أخرى، بما فيها واشنطن.


-وثانيهما أن العاصمة السورية، مدعومة بداخلها البلدي، تستعد للهجوم الكبير.
لذا السياسيون في وجوم، والشعب خائف حقاً.


لقد شهدت الأشهر الأخيرة حملات سياسية وإعلامية وميدانية مدروسة، تناولت المؤسستين الأبرز بالنسبة الى المسيحيين: الصرح البطريركي الماروني، والجيش اللبناني.


ويصعب لدى مراجعة الهجمات التي أصابت بكركي، والاعتداءات التي استهدفت المؤسسة العسكرية، ومدى الأذية التي تُدفَع صوبها من خلال طرح اسم قائدها مرشح توافق وإجماع لرئاسة الجمهورية، ثم إغراق هذا الطرح في لعبة المماطلة والتسويف وتهشيم الرئاسة الأولى فوق ما هُشِّمت وهُمِّشت في العهد اللحودي، يصعب عدم ملاحظة أن ذلك يمثل آخر حلقتَين في الصراع الذي تخوضه سوريا من أجل الانتقال من الوصاية الماضية الى التمدُّد النهائي فوق الأراضي اللبنانية.
تلك هي المسألة الجوهرية الموضوعة أمام ضمائر أهل السياسة في لبنان:


أن يبادروا الى حل، أي حل، يعبر بالبلاد الى الاستحقاق الرئاسي وما بعده مما ينتظره اللبنانيون من تثبيت دائم للأمن والاستقرار، ومن إصلاح يشكل الباب الحتمي نحو الازدهار الحقيقي.


والناس يعرفون أن الخلافات السياسية على شروط وشروط مضادة وعلى تفسيرات دستورية، وأن التجاوزات التي يرتكبها أهل التشريع والتنفيذ، كلها فاقت كل حد، وهي الوقود لنار الخارج إن مُكِّنت من دخول لبنان، وذلك بالتأكيد ما يعنيه مجلس المطارنة الموارنة بحكم التاريخ.


المسؤولية جماعية. وواجب بكركي التحذير والتنبيه. وموقعها التاريخي يتخطّى تمامًا سباقات المتسابقين على مقاعد ومناصب، أو تكف عن أن تكون ضمير الحرية، ومرجع الديمقراطية في لبنان والمشرق، فوق كل تمثيل وممثلين. تلك هي حدود الراهبة المتألمة الخائفة، وحدود الزميل الذاهب في تحليله الى استنتاج نهاية بطريرك، ونهاية بطريركية.


الصحيح الصحيح أن النهاية ستكون لكل افتئات على لبنان الدور والرسالة، ولكل فوضى لغوية يدعونها سياسة، وهي في النهاية خارج مجرى التاريخ ودروسه، محصورة في عار الشهوة الى الزعامة.


ومَنْ يُفاجئه هذا الكلام، ليسأل كيف صمد لبنان مئات السنين في وجه أعتى طغيانات الشرق والغرب، وليتَّعِظْ.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل