فتح السفارتين في بيروت ودمشق قبل نهاية الأسبوع الحالي
التبادل الدبلوماسي مرحلة جديدة في تاريخ مُتعب بالشكوك
إذا سارت الأمور كما هو مرسوم لها فإن افتتاح السفارتين اللبنانية في دمشق والسورية في بيروت سينجز في مهلة أقصاها أواخر الأسبوع الجاري، أي بعد عطلة عيد الميلاد الخميس المقبل.
وتتواصل التحضيرات في وزارتي الخارجية اللبنانية والسورية لإنهاء كافة الترتيبات المتعلقة بهذا الحدث التاريخي الذي يمكن اعتباره نقلة نوعية في علاقات البلدين الشقيقين، ومؤشراً لبداية مرحلة جديدة بين لبنان وسورية قائمة على أسس واضحة وسليمة من شأنها ازالة هذا الالتباس المزمن في التعاطي بين الدولتين، لأنه لم يكن ممكناً في السابق الولوج إلى هذه الخطوة، خاصة وأن الحديث عن ضرورة اقامة تبادل دبلوماسي بين بيروت ودمشق أو المطالبة بها، كان شيئاً من المحرّمات، لم يكن أحد يجرؤ على ذكره، وتحديداً لدى الجانب اللبناني الذي كان يشعر بوجود حساسية سورية واضحة تجاه كل طلب لبناني بإقامة تبادل دبلوماسي بين البلدين·
وقد بدا واضحاً أنه ومنذ حصول لبنان على استقلاله، كان السوريون يتعاملون بسلبية مع كل مسعى لبناني للمطالبة بإقامة تبادل دبلوماسي لتكريس استقلال وسيادة البلدين، بحجة ان لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين، وليس مقبولاً قيام تبادل دبلوماسي بين أبناء الشعب الواحد، وانطلاقاً من هنا وجد الجانب اللبناني بأن هناك استحالة في إقناع السوريين بوجوب اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، خاصة وأنهم كانوا دائماً لا يفوّتون مناسبة إلا ويؤكدون من خلالها عدم الرغبة مطلقاً في اقامة اي علاقات دبلوماسية بين الدولتين، لأنهم كانوا يعتقدون ان ذلك لا ينسجم مع طبيعة العلاقات التي يجب ان تكون قائمة بين شعب واحد·
وقد استمرت الضغوطات السورية على لبنان لدفعه إلى التراجع عن أي مطلب بشأن التبادل الدبلوماسي، إلى بداية الحرب الأهلية في العام 1975، والتي كانت سبباً لوضع اليد السورية على لبنان سياسياً وعسكرياً، بضوء أخضر دولي، والسيطرة على قراره الداخلي والخارجي، وهذا ما استمر الوضع عليه طيلة ثلاثة عقود من الزمن كان خلالها اللبنانيون من تبعات حكم الوصاية والهيمنة، ولم يكن بمقدورهم أن يحكموا بلدهم بأيديم، أو أن يتصرفوا به كما يريدون، فيما كان السوريون هم الحكام الفعليين في لبنان·
وبعد جريمة العصر التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري قال اللبنانيون كلمتهم وأطلقت انتفاضة الاستقلال شرارتها الأولى، ونزل اكثر من مليون ونصف مليون لبناني في 14 آذار 2005 إلى ساحة الحرية مطالبين بخروج سوريا من لبنان، فكان لهم ما أرادوا في أواخر نيسان من العام نفسه، وصولاً إلى إرغام دمشق مكرهة على إقامة التبادل الدبلوماسي مع بيروت الذي كان مطلباً أساسياً لثورة الأرز وللبنانيين جميعاً·
وبرأي النائب مصطفى علوش عضو كتلة <المستقبل> النيابية ان أهمية افتتاح سفارة سورية في لبنان يشكل اعترافاً شكلياً بوجوب ان تكون هناك علاقات دبلوماسية بين بلدين مستقلين، وأما الإعلان عن وجود سفارة فلا يكفي لأن تكون العلاقات ندية وسوية بين البلدين· فهناك الكثير من الخطوات التي يجب أن يقوم بها النظام السوري، ومنها ترسيم الحدود واطلاق المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية والإقرار نهائياً بعدم التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية·
ويقول علوش ان السوريين لن يكونوا جديين في موضوع التبادل الدبلوماسي مع لبنان، لأنهم وافقوا على هذه الخطوة مرغمين، على اعتبار انه لم يكن هناك في الماضي من يتحدث حتى عن اقامة علاقات دبلوماسية، فقبل الدخول السوري إلى لبنان كان هناك نوع من الرفض الداخلي من بعض الشعب اللبناني لمسألة علاقات دبلوماسية بين البلدين، على أساس ان هذه العلاقات ليست ضرورية، لأن ما يربط الشعبين هو أكبر من ذلك·
وخلال سنوات الوصاية استعاض النظام السوري عن العلاقات بالمجلس الأعلى السوري – اللبناني، ولكن الآن بعدما تغيّرت الأمور اصبحت هناك حاجة لتسوية هذه العلاقات عبر اقامة تبادل دبلوماسي، ولا بد للمجلس النيابي اللبناني ان يقرر مصير المجلس السوري – اللبناني تمهيداً لإلغائه لأنه من غير المقبول أن يستمر هذا المجلس في حال انجز التبادل الدبلوماسي بين بيروت ودمشق·
ويشدّد علوش على أن لبنان الرسمي حريص على أن يحصر علاقاته مع سوريا من خلال سفارتها في بيروت من دون أي طرف آخر، في حين أن السوريين لا يبدو انهم سيلتزمون بما وافقوا عليه، لأن تاريخ لبنان مع هذا النظام، لا يبشّر بكثير من الخير، لأن دمشق ستستمر في اتباع ذات النمط السابق وهو فتح باب العلاقات السياسية الجانبية مع كل من هو مستعد لأن يكون تابعاً لها·