#adsense

النظام السوري يمد يده لعون وإسرائيل… ويرفض مدها الى السوريين ( الطاهر إبراهيم)-كاتب سوري

حجم الخط

النظام السوري يمد يده لعون وإسرائيل… ويرفض مدها الى السوريين( الطاهر إبراهيم)-كاتب سوري 

في لقاء له مع قناة "الجزيرة" حاول الجنرال "ميشال عون أن يضرب صفحا عن ماضيه العنيف مع نظام حافظ أسد ومن بعده الرئيس بشار أسد, وكأن ماكان بينهما ليس إلا سحابة صيف, مع أن الجميع, بمن فيهم مستضيفه غسان بن جدو يعرف أن بينهما "ما صنع الحداد". ورغم اختلافنا في وجهات النظر مع الجنرال, الا أننا نتفق معه أن على الخصوم أن يتناسوا الماضي وآلامه, في سبيل بناء مستقبل سليم, هذا إذا صدقت نوايا الخصوم.

وهنا نسأل الرئيس السوري بشار أسد: لماذا يمد يده إلى كل من هب ودب من البشر إلا أبناء الوطن الذين يفترض الا يكون بينه وبينهم خصومة? فإذا كان هناك من الصعاب ما تحول دون لقاء أبناء الوطن الواحد "على كلمة سواء" حاولنا تذليلها والتقينا في منتصف الطريق حتى ينقشع الضباب الذي أعشى أبصار أبناء الوطن الواحد. نحن السوريين أولى من الجنرال عون أن يمد الرئيس بشار إليهم يده. ولعل طريق الصلح بينه وبين أبناء سورية-إذا كان للصلح مكان- أولى وأهون من الصلح مع الجنرال عون, لماذا?

لقد صوب الجنرال مدافعه نحو الجيشَ السوري وقرر أن يُخرِجه من لبنان عنوة في 7 نوفمبر عام 1990. هذا ما لم يفعله أبناء الوطن مع الجيش السوري. الصراعات التي كانت تثور بين الشعوب وحكامها كثيرا ما كانت -في النهاية- تنتهي إلى "لا غالب ولا مغلوب". أقرب مثال على ذلك ما حصل بين اللبنانيين حكومة ومعارضة, في مايو الماضي. اجتمعوا في الدوحة على قاعدة أن الوطن يتسع للجميع, وأن عليهم أن يعودوا إليه إخوانا, كما خرجوا منه خصوما . بعض المراقبين الذين عرفوا الرئيس حافظ أسد عن قرب يعتقدون أن الرئيس بشار لا يقدر أن يصطلح مع الشعب السوري حتى لو أراد ذلك! لماذا?

الإجابة عن السؤال تقتضي منا أن نتذكر أن الرئيس بشار أسد لم يصل إلى الحكم عن طريق ديمقراطي كما وصل الرؤساء في معظم الدول الديمقراطية. فهو قد ورث الحكم عن أبيه الذي أخذ السلطة بانقلاب. ومعنى أن يصطلح بشار أسد مع الشعب السوري, أن يقبل بمبدأ التداول السلمي للسلطة, وهو لو قبل ذلك, فإن الأقرباء وأباطرة الفساد حوله لن يقبلوا.

لو افترضنا جدلا أنه قبل بتداول السلطة, ولن يقبل لأنه جاء إلى السلطة ليبقى كما فعل أبوه من قبله, والقضية التي تحكم وضع الرئيس بشار أسد ليست قضية سلطة وحكم فقط, على ما فيهما من المغريات, بل هناك أجندة وضعها الرئيس حافظ أسد ليمشي عليها الذين يرثون الحكم من بعده من أولاده, بينتها في مقال لي من ثلاثة أجزاء تحت عنوان "حافظ الأسد: هل وصل مشروعه العائلي إلى نقطة النهاية?".

 
كان الرئيس الراحل يعتقد أن أفراد عائلته ما لم يكونوا هم الحكام, فلن يكونوا بمأمن من انتقام السوريين, (بمن فيهم العلويين. فقد سجن منهم الكثيرين وفي مقدمتهم رفيق دربه صلاح جديد. فلم يوفر طائفة أو شريحة اجتماعية إلا ونالها في عهده من الأذى ما نالها, من اعتقال وتشريد أو قتل. وإن كان الإسلاميون قد نالهم النصيب الأوفر من الأذى, خصوصا بعد صدور القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بذبح كل منتمٍ إلى جماعة "الإخوان المسلمين".

 
وبناء على هذه الأجندة فإن عائلة حافظ أسد لن تكون بمأمن -بعد رحيل حافظ أسد- ما لم يكن أحد أفرادها يحكم سورية, على ما في الحكم من خطر لكن ذلك يبقى أهون من أن يكون الحكم في غير عائلته. وقد نقل عن الرئيس الراحل عندما حذره أحدهم من تعرض ابنه الرئيس للاغتيال وهو في الحكم, أنه قال: "بشار, أو الدمار".

ولا ننسى, أن من بين الأمور التي طبعت حكم حافظ أسد قبل بشار, أنه نال من الحظوة عند واشنطن ما لم ينله حاكم غيره من حكام المنطقة, لأنه استطاع أن يكسر شوكة الإسلاميين في سورية, وهو ما لم يفعله غيره من الحكام. ولقد لقن الرئيس الراحل أجندة الحكم هذه إلى بشار قبل رحيله, وأن في مقدمتها أن يقف دائما إلى جانب واشنطن حيث تقف, لا يضره لو شتمها وسبها بعد ذلك, طالما أنه يسير وفق أجندتها.
ورغم ما كان يشاع عن خلاف بين دمشق وواشنطن بعد احتلال العراق, فقد تواترت الأخبار: بأن سجونا سرية في سورية, كان يرحل إليها معتقلون من "غوانتانامو" ليتم استجوابهم من قبل ضباط أجهزة المخابرات السورية. لأن إدارة بوش كانت تخشى أن تتسرب أخبار التعذيب فيما لو تم ذلك في سجونها, ما يعرضها لمساءلة جماعات حقوق الإنسان الأميركية.

وقد رأينا ما حصل مع المواطن الكندي ماهر عرار وهو من أصل سوري, اعتقلته واشنطن ورحلته إلى سورية. وقد ثبت أنه تعرض للتعذيب الشديد على أيدي جلادين سوريين, ثم أفرج عنه بعد أكثر من عام. فأقام دعوى على شرطة كندا, فربحها وقضى له القاضي بعشر ملايين دولار كتعويض. وقد اعتذر مفوض الشرطة له, ثم استقال من منصبه.

وإذا كان اللبنانيون اعترض بعضهم على المصالحة السورية مع العماد ميشال عون, فإن السوريين لا يقيمون لذلك وزنا ولا يعتبرونه من مثالب النظام الكبيرة. فهو عندهم أهون من المفاوضات التي يجريها الحكام في دمشق مع إسرائيل سرا وجهرا بوسيط ومن دون وسيط, في وقت كان الإعلام السوري يرفع راية الممانعة والصمود والتصدي.

النظام متهم بأنه تنازل عن الجولان, بشكل أو بآخر, في هزيمة يونيو 1967, عندما أذاع وزير الدفاع في حينه اللواء حافظ أسد نبأ سقوط مدينة "القنيطرة" التي فيها مركز قيادة القطاع الشمالي العسكري, قبل دخول الإسرائيليين إليها بأكثر من 48 ساعة.

وفي اجتماع للوزارة السورية اتهم وزير الصحة الدكتور عبد الرحمن الأكتع حافظ أسد بأنه تسبب بضياع الجولان, وقال: "لقد كنت في جولة في مدينة "القنيطرة" ساعة صدور نبأ سقوط القنيطرة من إذاعة دمشق, الذي كان بتوقيع وزير الدفاع, ولم يكن فيها إسرائيلي واحد ما أثار الذعر بين أهلها فتركوا بيوتهم وما فيها من متاع وهربوا". فصرخ حافظ أسد في وجهه وقال له: "اخرس" ورماه بكرسي كان إلى جانبه. عند ذلك قدم "الأكتع" استقالته ومضى إلى بيته.

يبقى أن نؤكد أن نظاما هذا شأنه, يصطلح مع خصومه في لبنان, ويوسط تركيا لترعى سلاما مع إسرائيل. بل ويطلب من إسرائيل التوسط بينه وبين واشنطن. وإذا طلب منه الأستاذ حسن عبد العظيم رئيس حزب "الاتحاد الاشتراكي", أن يمد يده ل¯ "الاخوان المسلمين" ويصطلح معهم, لا يعيره أذنا صاغية, لهو نظام حَكَمَ على نفسه أنه عدو للشعب السوري, يحكمه بالحديد والنار, ويعتقل أحراره ومثقفيه.

 

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل