أتاحت لي الظروف أن أدخل مبنى وزارة الخارجية مرات عدة، فانبهرت بأناقته العريقة وأثاثه المتناسق مع التاريخ، وقد كنت قبلاً أتأمله من خارج وأمتّع النظر بعمارته المنتمية إلى عصور الذوق والفن الراقي.
ولكنني، وقبل المعاينة بأم العين، كانت فكرتي عن الوزارة مستمدة من مشيب حميد فرنجية وبريق عيني فيليب تقلا، ولمعان رأس جان عبيد، وبخاصة من اعتقادي أن المواقف الرصينة كانت تتكون في مطابخ الحكمة والواقعية، وأن وضوحها كان يشع من وسائل التعبير عنها، أي الإيماء والهمس، وغالباً بلاغة الصمت.
وإذا أردنا الخروج من الانطباع إلى الواقع، وجدنا أن لبنان في عهود استقراره كان يختار أشخاصاً من ذوي الدراية، والثقافة والحنكة والصداقات الواسعة ليتولوا هذا المنصب الحساس آخذاً في الاعتبار الموقع الجغرافي والانتماء القومي، والمصالح المتشابكة لأهله في الداخل وفي بلاد الاغتراب، فكان وزير الخارجية كمن يمشي على الجمر بخطى ثابتة ومتأنية يستعين بمشيبه خضاباً يواري به الألم والمعاناة.
أما في عهود الحروب الأهلية والانهيار السياسي والاجتماعي فقد كانت هناك محاولات دؤوبة لاجتراح المعادلات الصعبة حتى لا ينجرف الموقف الرسمي إلى لجج التجاذب الإقليمي والدولي.
الآن ننظر بأسى إلى ما آل إليه حال السياسة الخارجية اللبنانية وإلى الدور الذي تردت إليه الوزارة، فبدلاً من أن تكون موئلاً للهدوء والكلام الموزون، تحولت إلى منبر تعلن من خلفه المواقف المعبّرة عن التطرف والانحياز غير المبرر، ولا تكتفي بذلك بل ترد على التحذير العربي بالتمادي بالتحدي في اليوم التالي ومن منصة رئاسة جامعة الدول العربية، وهذا يعني الاستخفاف الكلي بالمصالح الاقتصادية للدولة ولمواطنيها على السواء.
لقد تميزت السياسة الخارجية اللبنانية سابقاً بوقارها، فإذا هناك من يتعمد أن يسبغ عليها صبغته الخاصة، ويخضبها بخطابه، ففقدت بذلك وقار المشيب، ولم تفلح محاولات التصابي الفاشلة بإكسابها نضارة الشباب.
لقد علمت أن رئيس مجلس الوزراء قد وجّه رسالة صارمة في هذا الخصوص، ولكن من حق الرأي العام اللبناني والعربي والدولي أن يطلع على مضمون هذه الرسالة، فالمسألة ليست خلافاً بين أبناء البيت الواحد يُحل بالعتاب ثم بالقبل، بل نحن حيال نشوز متعمد عن سياسة عامة أعلنتها الحكومة ولا يجري التقيّد بها بل هناك من يذهب إلى أن السياسة الخارجية، تحددها الجهة التي جاءت بالوزير، بمعزل عن موقف رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ما أعلنته الحكومة عن الالتزام به، أي النأي بالنفس.
اللبنانيون يقولون إنه على الخارجية أن تسترد مشيبها.