#dfp #adsense

الأرجحية “المسيحية” في الجامعة العربية !

حجم الخط

الأرجحية “المسيحية” في الجامعة العربية !

جهاد الزين

    

ننتظر أن يكون تقدم ما جدي في العلاقات السورية السعودية هو الذي يقف وراء مبادرة الحل العربي الاخيرة الصادرة عن اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية… وإلا فلا مستقبل لهذه المبادرة. وفي اللحظة السياسية العربية الراهنة، الطرف السوري هو الذي يعرف او “يقرر” وحده مدى جدية هذا التقدم في علاقات يريدها بالحاح مع الرياض.
غير أنه بمعزل عن مدى فرص نجاح مبادرة الحل العربي في المدى المنظور، فان “جوهر” المبادرة يحمل معاني بالغة الدلالة في سياق “تطور” النظام السياسي اللبناني والنظرة العربية اليه.


فالنص نفسه، نص المبادرة يؤدي الى:


1 – اعادة توليد “أرجحية” مارونية في السلطة السياسية اللبنانية عبر تأكيده ان “يكون لرئيس الجمهورية كفة الترجيح”.
قيل دائما ان “العرب” الذين تسود بين معظم دولهم “أنظمة رئاسية” (الصيغة المهذبة لتوصيف الانظمة) رغبوا دائما في ان يكون رئيس الجمهورية اللبناني، حتى قبل عام 1975 حاكما مطلقا او قويا مثلهم. لكن النظام السياسي اللبناني سواء قبل 1975 أو بعده ولا سيما بعد “اتفاق الطائف” يجعل موقع الرئاسة الاولى محصور الصلاحيات، بل محدودها لاحقا.
غير ان هذه الرغبة الرئاسية العربية في رؤية “رئيس” لبناني قوي، لم تمنع معادلة أخرى هي التي فرضت نفسها تاريخيا في التدخل العربي في الشأن اللبناني. فـ”النظام العربي” ابتداء من العام 1943، تاريخ الاستقلال الاول، نظر الى التركيبة السلطوية اللبنانية على أنها تسوية بين رئيس الجمهورية ممثلا المسيحيين ورئيس الوزراء ممثلا المسلمين في الصيغة الثنائية اللبنانية.


هكذا كان تاريخ الاستقلال منذ 1943 حتى العام 1990 هو تاريخ استخدام المسلمين اللبنانيين للعامل العربي – بتحولاته المختلفة – للحد من الأرجحية “الايجابية” للرئيس المسيحي في الدولة اللبنانية. “الايجابية” تعني هنا كونه صاحب القرار الاساسي. وكانت حاجة النظام العربي قبل 1975 وحتى العام 1990 الى استخدام توترات الساحة اللبنانية كبديل يمنع توترات ساحات البلدان العربية تحت تأثير الصراع العربي – الاسرائيلي، لا سيما في السبعينات من القرن الماضي، مرورا بثمانيناته، هي التي تفرض أولويتها على كل اعتبار آخر.


2 – انتهى طبعا زمن تلك “الأرجحية الايجابية” (رسميا مع حصول اتفاق الطائف)، أي انتهى على أرض عربية وبتوافق عربي – أميركي يومها. لكن نص المبادرة العربية الاخيرة تعني عودة حاجة عربية الى توليد أرجحية صريحة للرئيس المسيحي اللبناني.


لكنها “أرجحية سلبية” هذه المرة. أرجحية ليس القرار، ولكن أرجحية توازن القرار او “اللاقرار” بين ممثلي كل من الكتلتين السنية والشيعية في النظام السياسي.
مفارقة مدهشة للنص العربي، تعيد فرصة للدور المسيحي في لبنان… على “يد” من اضطروا خلال سنوات طويلة الى القبول بفكرة إضعافه.


فماذا حدث… سوى ان علاقات المنطقة في زمن ولادة “نظام” او “لا نظام اقليمي” جديد مع انفراط المثلث المصري السعودي السوري السابق واندلاع التجاذب الاميركي – الايراني الذي أصبح تجاذبا أميركيا مع محور ايراني – سوري، كذلك التجاذب السعودي – الايراني، وفي زمن افتتاح الوضع العراقي للحساسية السياسية السنية – الشيعية منذ 9 نيسان 2003…


هذه العلاقات والتداخلات الجديدة تؤدي الى ولادة نص “الأرجحية السلبية” للدور المسيحي في لبنان.


3 – هل يعني الأمر… اذا شئنا ان نتوغل أكثر فأكثر في المفارقة البالغة الدلالة اللبنانية التي يحملها النص الاخير في جامعة الدول العربية، أن العرب، عبر مؤسستهم الرسمية يعلنون “رسميا” ولو بشكل غير مباشر ولادة “المثالثة” في النظام السياسي اللبناني، فحين يؤكد البند الثاني من المبادرة “على ألا يتيح تشكيل الحكومة ترجيح قرار او اسقاطه بواسطة أي طرف” فيما “كفة الترجيح لرئيس الجمهورية” هل ينقل “النظام العربي” (بوضعه الجديد ولو الانتقالي!) النظام السياسي اللبناني “رسميا” من الثنائية الى المثالثة، او الى شكل معقد – أصبح قائما في الواقع – من نظام ثنائي، مثالث، في آن معا، يعيش بطريقة ما. وهو عمليا رباعي ايضا اذا ضممنا مركز قوة الامر الواقع الفعلي والمديد لممثلي الطائفة الدرزية… طائفة “فيتو” رابعة، لكن من دون موقع رئاسي… أصبح معروفا انه “مجلس شيوخ” لم يقم بعد… ومن الصعب الاعتماد في المدى المنظور على “حكمة” العلاقات الطائفية اللبنانية للتسريع في تكريسه… في سياق البحث المتواصل عن تكريس الآليات السلمية اللبنانية…


4 – ربما عزز هذا الاعلان العربي عن ولادة “الأرجحية السلبية” للدور المسيحي في الصيغة اللبنانية عبر رئيس الجمهورية، ربما عزز اعتقادا متسرعا، بل سطحيا، لدى البعض في لبنان، ان من مصلحة ممثلي المسيحيين ونخبهم “تعزيز” الخلاف السني – الشيعي، على ضوء “النص العربي” التاريخي (حتى لو تعثرت المبادرة… فكيف اذا نجحت).
تسرع، بل سطحية هذا الاعتقاد، ناتج عن كون توسيع الحساسية السنية – الشيعية لبنانيا سيؤدي حتما بصورة من الصور الى حرب أهلية، “الأرجحية” المسيحية في النظام السياسي تصبح مهددة فور اندلاع مثل هذه الحرب. لأن حربا أهلية كهذه تفتح المجال على دخول قوى جديدة من داخل وخارج لبنان. أي بكلام آخر من خارج وداخل “الصيغة” القائمة بما يهدد مرة اخرى الوجود المسيحي نفسه. لهذا، ومن زاوية العلاقات الطوائفية اللبنانية، مصلحة المسيحيين هي في عدم اندلاع الحرب الاهلية السنية – الشيعية سيما ان “قوى” و”مساحة” هذه الحرب مرتبطة بديموغرافيا المنطقة أو جزء كبير منها عربي وشرقي وآسيوي.


السلم، الوفاق، سيما في زمن الصراعات غير التقليدية، هو ضمانة جميع اللبنانيين، والرهانات المتسرعة على امكان ان تخدم الحرب الاهلية أي فريق، تدخل في سياق القابليات الانتحارية لا العكس.
علينا أن نتذكر، في اللحظة التي يجد فيها “العرب” في إطار الجامعة العربية أنفسهم مدفوعين الى “اكتشاف” أهمية العامل المسيحي في انقاذ لبنان، من المفترض ان يتنبه كثيرون الى أن النزوع الى السلام اللبناني ناتج أساسا عن اختلاف “المعادلة” بالنسبة للعرب عن العام 1975.


عام 1975 كان انفجار لبنان يحمي العديد من الساحات العربية من الانفجار.
أما اليوم فانفجار لبنان سيعني على الأرجح انفجار العديد من هذه الساحات.
مرحبا بالأمين العام للجامعة العربية… وعلى أمل ان نقول له لاحقا: شكرا إذا نجح “النص”… إذا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل