ولد هوغو تشافيز في الريف الداخلي البعيد، لأب وأم يعلِّمان في مدرسة ابتدائية. رأى الفقر وجهاً لوجه، وفي معالم لا تنسى. حلم بالوصول إلى الحكم، من أجل أن يمحو من امام عينيه صور المعذبين مدى الحياة. عندما توفي، كان قد صرف 400 مليار دولار على تحسين اوضاع البائسين، لكن 80% من مواطنيه كانوا لا يزالون تحت خط الفقر، لأن الحكم ليس عطفاً فقط بل عطف وحكمة.
يقول الدكتور تشيرنو، الذي يعالج الصحة النفسية لرؤساء فنزويلا منذ 1958، إن هوغو كان اطيبهم قلباً. وكان عاطفياً ميلانكولياً، ينفجر في نوبات من البكاء. هكذا كان يبكي الحبيب بو رقيبة عندما يرى نفسه عاجزاً عن مساعدة فقير.
قال لي سائق سوري في نيويورك، ونحن نهمّ بمغادرتها، انه حزين. سألته، هل بسبب أخبار سوريا؟ أجاب لا، فقد اعتدنا! وبكل غرور سألت: هل بسبب أننا نغادر؟ فقال ببساطة مبكية: “لا. لأنني لا اعرف متى احصل على عملي التالي”.
تلك هي المسألة، في نهاية المطاف. الإيجار والخبز ومدرسة الأبناء. وإذا بقي من وقت لنصرفه للقضايا الكبرى: الوحدة الفورية وتيجان ملوك افريقيا. جدَّد هوغو تشافيز لنفسه بالانتخاب، لا بالاكراه. لكنه لم يصادق من حكام العالم سوى الذين وصلوا بالاقتراع المريب. اعطى الكثير لفقراء “الجمهورية البوليفارية”، كما اعاد تسميتها، لكنه هدر الكثير في سياسات الآخرين. عندما توقف الاتحاد السوفياتي عن الوجود. وتوقف الكرملين عن تكفل كوبا بمليون دولار يوميا، كان هوغو يفتح الخزنة لهافانا. لا تخجل كوبا انها بعد نصف قرن على نزول الفيديليتو من الجبال، لا تزال في حاجة الى اعانات. لكنها مساعدات مشرفة فقط من الرفاق!
أعتقد ان اطلاق لقب الثورة على عمليات السطو على مصائر الدول والشعوب، سوف يتوقف. هوغو تشافيز، كان مختلفاً. أخذ اموال الدولة فوزع اكثرها وهدر البعض الآخر. الذين سطوا على المصائر في افريقيا وغيرها سطوا على كل امل في الحياة. الاستثناء الوحيد كان جمال عبد الناصر، الذي مات فقيراً. الباقون ماتوا ارقاما سرية في بنوك سويسرا. او سبائك ذهبية، مغلفة بشعارات الثورة.
وقف هوغو إلى جانب خليط من القضايا العادلة، والرجال الطغاة والمستبدين ودعاة الظلام. كان الأحرى أن يكون كاسترو هو الذي يتأثر به. لقد احب الفقراء حقا، وليس على الغيتار. وقد اساء الادارة لكنه لم يلغها. وعندما اكتشف الاشتراكية، العام 2005، اراد منها الوجه الإنساني، وليس ان يطمس وجهها بالقسوة والظلم والتأله.
تأمل غوته في تجار الثورات ومزوريها وقال، ليسوا سوى محتالين، وخصوصاً، قتلة: “أيها الأخوان الجمهوريون، لقد محونا مقاطعة فنديه. ماتت تحت السيوف، هي، ونساؤها واطفالها. لقد دَفَنْتَهُم في المستنقعات في غابات سافاناي. وسحقنا اطفالهم، بناء على اوامركم، تحت حوافر الخيول”.
في الثورة العراقية، المجيدة طبعاً، ابرق علي صالح السعدي الى بغداد: “اسحقوهم حتى العظم”. هل كان قد قرأ خطبة الجنرال وستمرمان في سقوط فنديه؟ اشك. مجرد توارد خواطر.
كان تشافيز ثائراً بلا دماء. ضجيج؟ اجل. اما الدماء، فالحدّ الأدنى. وكان يذهب إلى عيادة الدكتور تشيرنو، ليبكي. وكان انسانا ضعيفا مثل البشر، فلما جافاه ابناؤه من الزوجة الاولى لأنه طلَّق امهم، لم يدرِ ماذا يفعل. وأخيراً ارسلهم إلى هافانا عند عمهم، كاسترو. وإلى هناك سوف يرسل نفسه الحائرة، متعافياً ثم متهدِّماً. كان العم فيديل أول من اكتشف ان لون وجه حليفه الشاب ليس مريحاً: الآن سنحضر لك الطبيب يا هوغو. الرحمة لهوغو، فلم يكن دموياً.
كان مثاله الحقيقي تشي غيفارا، لا كاسترو. لكن التشي كان قد قتله عريف بوليفي متوتر، اذهله ان يرى غيفارا فجأة امامه. لا خطأ! البيريه الزرقاء، والعينان العسليتان، وتلك اللحية الوسيمة التي كما في الملصقات والأغاني: “كوماندانتي تشي غيفارا، دائماً في الأعالي”! لذلك لم يرد أن يرفع نفسه عن رتبة الكوماندانتي الذي أحب. ذات يوم اتصل صديق من هافانا بالكاتب ماريو فارغاس يوسا في باريس، راجيا ان يستضيف في شقته الصغيرة ضيفة عزيزة. عندما وصلت الضيفة اكتشف انها ام غيفارا، وأنها لا تملك اجرة الفندق قبل العودة إلى بوينس ايرس. فقيرا وبلقب كومندانتي، مات التشي. الثوار العرب صاروا فوراً ماريشالات. عبدالله السلال صار مشيراً فيما “البكباشي” عبد الناصر على قيد الحياة. بشار الأسد بلغ مرتبة الفريق في الرابعة والثلاثين من العمر. المشير عمر البشير تزوج ارملة وزير دفاعه الذي قضى في سقوط طائرة، ودعا إلى العرس عشرة آلاف ضيف. العروس في السادسة والعشرين يومها.
في الثورة الفرنسية دعا سان جوست، ليس فقط الى قتل الخونة، بل ايضاً إلى ابادة الذين يقفون على الحياد. ثمة كتاب جديد (توثيقي) عن موسكو الثلاثينات يشبهِّها بالمسلخ العامل 24 ساعة. الثورة الفرنسية كانت من اخترع عبارة “أمنا المقصلة”. امك، على أم المقصلة. يختطف الثورات العادلة حفنة من المجانين والمرضى. صادق هوغو تشافيز الذين ينكلون بشعوبهم، لكنه لم يقلد في كراكاس الوجبات التي كان فيديل كاسترو يرسلها الى الاعدام بالرصاص كل صباح. كنت يومها اترجم الاخبار عن وكالات الانباء، وكانت مجرد ترجمتها تؤدي الى مشاعر اعتلال. كل يوم كانت ترن اجراس وكالات الانباء بعدد الذين رموا بالرصاص في هافانا. محكمة الثورة، كانوا يسمونها. في بغداد سميت محكمة فاضل المهداوي، ابن خالة الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم. كان كل ثائر جديد في بغداد يتولى اعدام الثائر القديم. وما بين الاعدامين يٌسحَلُ الالوف في الشوارع. نسي العراقيون تفصيلا مهماً من الثورة الفرنسية: اللجنة الأمنية. هي وحدها تملك حق الإبادة الجماعية.
اميركا اللاتينية، مثل العالم العربي كانت مختبراً للثورات. كل ثائر كريم يجرِّب افكاره النيِّرة في خلق الله، بادئاً برفاقه. يكفي ان تقرأ عشرة اسطر من ماركس وثلاثة من لينين. المرور بالمدرسة الحربية قيمة مضافة. حبة كرز في قالب حلوى. لم يعد ضروريا ان تمرَّ في مدارس الحكم واصول الاحكام.
مصر تحترق. عامان وهي تحترق. ليبيا لم تتذكر، بعد 44 عاماً من “رسول الصحراء”، كيف يكون الحكم بالقانون وكيف يكون شكل الدول. تونس في المختبر. واول ما فعله ثوار سوريا، هو اول ما فعله سواهم: تقليد النظام في الثأر.
لن تهدأ في مصر. العالم العربي يركب سفينة “الهولندي الطائر”، التي لا تعثر على ميناء. كيف تعلم الأصول الديموقراطية في يوم واحد، لدولة تعيش منذ 60 عاماً بقانون الطوارئ؟ وكيف تهدئ 57% من عائلات مصر التي لا تصل الى آخر الشهر وهي تشعر بالاكتفاء البسيط؟ بددت الانظمة العربية المبادرة الفردية، وسمحت بها فقط لشركاء النظام: عثمان احمد عثمان او احمد عز “اند كو”. الثورة، الا تملك امك ثمن تذكرة العودة الى بوينس ايرس، ما عدا ذلك احتيال، كما قال غوته.
يشبه هوغو تشافيز خوان بيرون من دون ايفيتا. “ابكي من أجلي ايتها الارجنتين” تقول الاغنية في وداع السيدة التي هام بها فقراء الارجنتين وهامت بهم، ومثل تشافيز خرجوا الى وداعها بمئات الآلاف. لم ينس الجنرال بيرون الفقراء عندما وصل الى “الكازا روزادا”، القصر الوردي. شاهدتُ قصرا وردياً آخر عندما ذهبت لمقابلة اندرياس باباندريو بين صنوبرات أثينا. كان قد بناه لزوجته الجديدة، ميمي. اعطاها كل ما طالت يداه، ولم تعط الفقراء شيئاً. ايفيتا كانت تعطي كل شيء.
منذ ايفيتا، لم يعرف فقراء القارة الجنوبية رفيقاً مثل هوغو. كلاهما توفي دون الستين، ودون ما يحلمان بكثير. لكن هوغو، مثل الذين لا يدخلون مدرسة الحكم، يترك بعد 14 عاماً وطناً مبعثراً ودولة متعثرة. كل ساعتين تقع جريمة. احياء الصفيح تأكل العاصمة. الثروة النفطية الكبرى تصرف بلا تخطيط. والكثير منها يذهب الى سياسات عبثية او رومانسية في بلدان الجوار. ساعد الفقراء وادت سياساته البدائية الى الغاء الطبقة الوسطى.
لا يمكن الاشتراكية ان تزهر من دون حريات وقوانين اخلاقية. دمرت الثورة الفرنسية كل شيء، لكن ايار 1968 حفر الطرق واحرق بعض السيارات ثم تجاوزته مؤسسات الدولة. وانتقل الاليزيه من ديغول الى الاشتراكي ميتران ببساطة تغيير الحرس. كان ديغول يقول عن ميتران انه لا يملك من الكفايات سوى الطموح، لكن المؤسسة تتكفل سد الفراغات. الدول التي لا مؤسسة سياسية فيها تسقط عند ادنى تغيير، في الفراغ والفوضى. او ما سمته العرب الخواء، ومنه الكلمة اللاتينية chaos.
جرَّد النظام العربي الأمة من اي مؤسسة. حوَّل البرلمانات الى تهريج سقيم ومعرض زراعي تعرض فيه الاشياء بحجمها، لا بطعمها. الغى القانون والقضاء واحال الناس على الحياة في ظل الاحكام العرفية. استورد الاسلحة باسم فلسطين وضرب بها المخيمات. وعندما حان وقت الثورة لم يكن هناك سوى الخواء. الفوضى. الاضطراب. نسيان المعايير. والرقص فوق الدماء. لم يعط النظام العربي اهله سوى العبودية والخراب والبطالة وذل العوز والسجون. دخل كبار صحافيي سوريا ومصر السجون تحت شعار الحرية. مصطفى امين ومحمد حسنين هيكل. وتمتلئ الزنزانات الآن برجال حسني مبارك وبه ايضاً.
يتبادل الثوار المقاعد والموت والشراسة والتعابير المنقضية الصلاحية. يأتون على ظهور الفقراء وينسونهم عند اولى درجات القصر. يعيش خوسيه موخيكا، رئيس الاوروغواي، في الشقة الصغيرة التي عاش فيها كل حياته، مناضلاً وثائراً، ويرفض النوم في القصر الجمهوري. وما من خدم في الشقة. وهو الذي يطعم القطط.
لأنه – يقول السنيور موخيكا – إذا نام في القصر فسوف ينسى الفقراء الذين اقترعوا له. عجيبون هؤلاء اللاتينيون، في كل عصر هناك تشي، ولو من دون لحية ووسامة.