تدفق الدماء والذهول
نبدأ اليوم عاماً هجرياً جديداً، وفي الشهر الأخير من الثلاثة الحرام، تظلّلنا الهجرة النبوية الشريفة بكل رموزها ومعانيها ودلالتها، بأيام معاناة نبوية شريفة مكر فيها الكفار بالنبيّ وعزموا أمرهم على قتله فأخرجه الله من بين ظهراني الكفار مصحوباً بصدّيقه أبي بكر ليكونا (ثاني اثنين في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)..
يهل علينا شهر المحرّم والدماء تُراق فيه دفاقة سيّالة، الأشلاء تطلع من الشاشات ملقاة في وجوهنا، في زمن التبست فيه علينا الأمور فما عدنا نعلم ولا نفهم ولا قدرة بنا على احتمال ما نرى..
بالأمس ازددنا ضجراً وألماً على ألم، بالأمس عادت اتهامات الخيانة تكال وهذه المرة على دولٍ بأمها وأبيها وخوّنت بأمها وأبيها ومسؤوليها. بالأمس فاجأني السيد حسن نصر الله وهو يكيل تهم الخيانة والعمالة لمصر ومسؤوليها، مصر التي خاضت عن العرب كلّ حروبهم منذ العام 1948، فيما إيران تتاجر من بعيد لبعيد بالدماء الفلسطينية، بالأمس تساءلت: هل يحق له أن يتدخل في سياسة دولة كبرى ليفرض عليها ويقول لها: ماذا عليها أن تفعل؟! بالأمس فاجأني وهو يتحدث بكلام الحسين عليه السلام، لا أجد الحياة مع الظالمين إلا برماً..
ويدرك كل السامعين من قصد أمين عام حزب الله بكلامه عن الأنظمة، فلماذا قبلوا أن يبني لهم الظالمون قراهم التي هدموها بعملية غير محسوبة النتائج!! وهل من حقه أن يحرّض على دولة مثل مصر وعلى شعبها من دون أن يأخذ في الاعتبار أنه يخاطب دولة لا مسؤولاً محلياً!!
ولنسأل بهدوء: إذا كان الإجرام الإسرائيلي معتاداً ولا نتوقع سواه من إسرائيل الدولة العدوة، فنحن لا نفهم هذا الإصرار عند «حماس» على اتخاذ وضعية الدولة وفرض حدود لها مع مصر مستندة إلى سياسة لوي الذراع وسياسة ابتزاز الدولة المصرية بدماء الفلسطينيين..
ولنسأل بهدوء: بعد كل ما طلبه بالأمس السيد حسن نصرالله من شعب مصر وأحزاب مصر وجيش مصر بضباطه ولواءاته وهو ليس أكثر من دعوة إلى انقلاب على رغم نفيه لها، لنسأل بهدوء، لماذا تريد إيران هزّ الوضع الداخلي في مصر مستخدمة دماء الفلسطينيين أداة لتنفيذ أغراضها وغاياتها!!
حسناً.. بالأمس كان السيد محرجاً حرجاً جديداً. فالشعوب الساذجة كانت تتمنى أن يعلن بالنيابة عن اللبنانيين ثم يقول لهم شئتم أم أبيتم، هذه معركة الأمة، كان محرجاً لأنه يدرك تماماً أنه حتى شعب المقاومة وجمهورها يده على قلبه ومذعور من الذهاب إلى حرب جديدة تهدم من جديد ما لم تبنه لهم الأموال الطاهرة الموعودة!!
لا تستحق مصر هذا الخطاب أبداً ولا هذا التحريض وستبقى قلب العالم العربي وأم الدنيا، ولن تهزها الرياح الفارسية العاتية!!
بالأمس تذكر السيد حسن سورية لأنها تركت الطريق مفتوحاً لدخول السلاح وتجاهل كل الصواريخ التي أطلقت على الجولان لاستدراج سوريا إلى الحرب، ومع هذا اكتفت بالتفرّج على رغم معاهدة دفاع مشترك بينها وبين لبنان، وكان أقصى ما قدمته لغزة تظاهرة رأيناها بالأمس، فيما مصر المتهمة كانت هي قائدة المساعي بتكليف من جامعة الدول العربية والفلسطينيين بطرفيهما. التهدئة التي انتهت والتي رفضت حماس تجديدها وكانت حاجبة للدم الفلسطيني..
أما الحديث عن بطولات مزعومة لقيادات تختبئ تحت سابع أرض ويقولون: "حتى لو أبادوا غزّة" لكنا رأيناهم أبطالاً حقيقيين لو طلبوا إخراج المدنيين والنساء والأطفال وتفرغوا للقتال ولم يحوّلوهم إلى دروع بشرية يستخدمون دماءها للبقاء في السلطة.. قاسٍ هذا الواقع بقدر قساوة مجزرة السبت الفلسطيني الأسود ..
يبقى أن ما يثبت قلوبنا قول رسول الله لصدّيقه أبي بكر : لا تحزن إن الله معنا.. ووعده لسُراقة الذي طارده في هجرته لاحقاً به للفوز بجائزة قريش: "أعدك سواريْ كسرى" وصدق سراقه ومضى وبعد سنوات عشر صدق رسول الله وعده في خلافة عمر بن الخطاب يوم انهار ملك كسرى في القادسية، وقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على منبر رسول الله سائلاً: "أين سُراقة؟" فتقدم فناوله سواريْ كسرى..