#adsense

جمهورية الفراغ الدائم!

حجم الخط

عندما كان يقترب موعد إستحقاق إنتخابي أو رئاسي أو حكومي في زمن الوصاية السورية، كانت إستمرارية العمل في المؤسسات الدستورية مؤمنة، إذ كانت سلطة الوصاية تقرّر سلفاً ما تريد والجميع ينفذون، فلم يكن هناك من فراغ في سُدة رئاسة الجمهورية بخلاف ما حصل بُعَيد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود الممددة، إذ عطلت الوصاية الجديدة لـحزب الله على لبنان هذا الإستحقاق ووضعته في مهبّ الريح لأنها لا تقبل برئيس تختاره الأكثرية وفقاً لمفهوم النظام البرلماني، فكانت وصاية الحزب تملك القدرة على التعطيل من خلال “تعسّف الأقلية Abus de minorité” تحت طائلة إستعمال القوة.

في زمن الوصاية كانت الديموقراطية غائبة والحرية مفقودة، لكن الفراغ في المؤسسات كان ممنوعاً. فلم يكن هناك أيضاً فراغ حكومي، والوزير الذي يعارض يُقال أو تُستبدَل حقيبته، إذ كانت القدرة على معاقبة من يعرقل مسيرة الحكم فورية. وكانت قدرة رئيسي الجمهورية والحكومة على ضبط الإنسجام الحكومي والتضامن الوزاري أفضل مما هي عليه اليوم، لأن أحداً لم يكن قادراً على منازلة سلطة الوصاية أو مقارعتها، بينما وصاية حزب الله اليوم قادرة على منع الإنسجام والتضامن الحكوميين وتعارض سياستها من الداخل. هذا ما حصل أخيراً عندما اتخذ وزير الخارجية عدنان منصور مواقف تتعارض مع سياسة النأي بالنفس، وهذا ما لم يحصل حتى قبل اتفاق الطائف وبعده.

أما مجلس النواب الحالي الذي شارفت ولايته على الإنقضاء دون التمكن من تعديل قانون 1960 الذي ينعيه الجميع سياسياً من دون القدرة بعد على نعيه قانونياً، فإن معادلة حزب الله في هذا الصدد تقوم على قاعدة “الفوز بالإنتخابات أو لا إنتخابات”، لذلك يتمسَّك بخَيارَي “الأرثوذكسي” والنسبية، وإلا فخياره الثالث التعطيل، نعم التعطيل!

هذا إن لم نقل إن الفراغ شبه مستمر في إنتاجية السلطتين التشريعية والتنفيذية على حدٍ سواء، فمجلس النواب يقرّ 1٪ من القوانين التي يمكن أن يقرّها أيّ مجلس نيابي آخر ولكن في ظروف عادية، والحكومة حدّث ولا حرج، فهي لا تستطيع وضع حدّ لوزير يعارض سياستها الرسمية فيما هي تمنع دخول مسلحين من القتال ضد النظام وتصادر السلاح المهرّب للثوار، لكنها تغض الطرف عن المازوت المرسل للآليات الحربية التي يستخدمها جيش النظام، وتغضّ الطرف أيضاً عن قتال حزب الله في العمق السوري، ليس إلاّ لأنها عاجزة عن فعل ما يثبت نأيها بنفسها.

حكومة إداراتها مشلولة واقتصادها شبه معطل، والسياح غادروا لبنان ولم يعودوا، والحركة النقدية ضعيفة، والنمو يتراجع إلى مستويات لم نشهدها حتى في زمن الوصاية، والموظفون مهمَّشون، والفساد لا يزال يستشري في اضطراد.

بئس السلطة التي تستولدها القوة، والجمهورية التي يتحكَّم السلاح بمساحة الحرية فيها، ويتربّص بإرادة أكثرية الشعب تضليلاً وإكراهاً، حتى أنه يتحكّم بتموضع الكتل النيابية يميناً ويساراً، وبئس متولِّي السلطة الذين يضحّون بالحياة الديموقراطية وحريتهم وقناعاتهم ومبادئهم التي نشأوا عليها مقابل حفنة كراسي لن يبقى منها سوى ما ارتكبوه من إثم في حق لبنان الدولة والنظام الديموقراطي والقيم الإنسانية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل