غزة أم لبنان؟
أمرُ غريب ومحيِّر يحصل يا اخوان. قبل العدوان الاسرائيلي الراهن على غزة، كانت محطة الكلام الرئيسية عند جماعة الممانعة هي الهجوم على السعودية تارة ومصر تارة اخرى… وصلت المسألة الى مستويات غير مسبوقة في عنفها وحدتها.
يتذكر كثيرون (او بالاحرى ما حان وقت النسيان بعد) ان خلاف المحور السوري الايراني مع مصر والسعودية انفجر في المرحلة الاخيرة بسبب الوضع اللبناني تحديداً.. كانت هناك اختلافات واضحة، غير حادة قبل ذلك بسبب تماهي السياسة السورية مع نظيرتها الايرانية، ان كان في الشأن العراقي او الفلسطيني او في ما يتعلق بدول المنطقة وبنيتها في الاجمال، لكن ذلك الاختلاف بقي "محمولاً" وبعيداً عن اعمدة الصحف وشاشات التلفزيون ونوادي الانترنت.. وحده وضع لبنان واستمرار السوريين في سياساتهم، وتراجعهم عن وعود قدموها بتغيير سلوكياتهم حياله، ومشروع ايران فيه وعبره… كل ذلك دفع نحو افتراق لازالت تداعياته تبان يوماً بعد يوم وبوتيرة اصعب من سابقاتها.
دخلت غزة الآن على الخط وصارت عنوان الخلاف والنافذة التي يطلُّ منها من يريد تصفية حسابات سياسية مع مصر والسعودية.
أمرٌ محيِّر. المنطق يقول ان العدوان الخارجي يُفترض ان يعلّق التناقضات الداخلية باعتبارها ثانوية حيال مركزية حرب يشنها العدو، والمنطق يقول ان البضاعة المختلف عليها لم تصل بعد، او بالاحرى لم يبدأ تصنيعها فعلياً من المصدر. فلا عملية السلام وصلت الى خواتيم تقريرية مصيرية كبيرة مع الفلسطينيين كي يحتدم الخلاف بين قابل ورافض لها، ولا انسحب الاميركيون من العراق وتركوه على الطاولة الاقليمية فلتاناً من دون ربط كي يبدأ جيرانه الخلاف على قسمة النفوذ فيه… لم يتغير شيء الا في لبنان، فهو الاساس، ومحطات الافتراق بين السياستين السورية الايرانية من جهة والسعودية – المصرية من جهة ثانية حياله، حاضراً ومستقبلاً… ومحكمة دولية كانت اكبر من محاولة طمسها وتغطيتها ببلاغة الخطاب التضامني بين الاشقاء!.
لُبَّ الموضوع ليس غزة، ولا حتى عملية السلام "الجارية" مع اسرائيل. انه لبنان اولاً واساساً، ورفض السعودية ومصر غضّ النظر مرة اخرى عن السياسة السورية الايرانية حياله، او بيعه لهما، او السكوت عن محاولة خطفه من جديد وجعله مع اهله رهينة للمساومة في "اماكن" اخرى نووية كانت ام قضائية دولية!.
لُبّ الموضوع وأصله وفصله، هو ان القاهرة والرياض ترفضان وستستمران في رفض تلك السياسة التي توغل في دماء اللبنانيين، وفي منعهم من بناء سيادتهم واستقلالهم… وتقولان ما قاله رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قبل ايام: الجنوب ليس "منصة" لاطلاق الصواريخ، ولبنان ليس "ساحة" لتصفية الحسابات.
فلسطين عند اهل الممانعة يا اخوان، ليست سوى العذر والشمّاعة التي تُعلَّق عليها، اليوم كما بالأمس، شعارات التصدي والممانعة… وهي شعارات من ورق، تُطلق عبر الاثير فقط لا غير!.