فالحادثة الأولى حصلت مع الشيخين مازن حريري واحمد فخران لدى خروجهما عقب صلاة العشاء من مسجد محمد الامين، وسلوكهما طريق الخندق الغميق حيث اعتدى عليهما “شبان حشاشون”، كما ردّدت المعلومات الأولية، ونكّلوا بهما وقصوا لحية احدهما، وقصّ اللحية هنا له معانٍ عديدة ابرزها أن “اللحية” في الاسلام هي من “السنّة” لدى المشايخ ورجال الدين وقصّها بالإكراه كما حصل يعادل الطعن بكرامة الشيخين وبما يمثلان على المستوى الديني.
أما الحادثة الثانية فحَصلت بعد فترة وجيزة مع شيخين آخرين هما حسن عبد الرحمن وعدنان إمامه في منطقة الشياح ولكن من دون قص لحى هنا، والحمد لله. والمنطقتان اي الخندق الغميق والشياح ترمزان سياسياً الى جهة معينة أراد من خلالها المخططون إشعال شرارة الفتنة بين السنّة والشيعة، بعدما كانوا قد ساهموا في فترات سابقة في تعبئة الاجواء وشحنها مذهبياً على الارض تحت ذرائع وحجج مختلفة.
وقد كان لافتاً ومهماً في آن مسارعة القيادات المسيحية والاسلامية الى استنكار ما حصل وشجبه على كل المستويات، اضافة الى بيانَي كل من “حزب الله” وحركة “امل” اللذين دانا الاعتداءين بطبيعة الحال ودعيا الى توقيف المعتدين كائناً من كانوا، ورفع الغطاء عنهم اذا ما تبين اثناء التحقيق انهم يحملون أي صفة حزبية. مع تثمين ايضاً زيارة وفد من المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى لمفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني في دار الفتوى والمواقف التي تلتها بعد ذلك.
ولكن يبقى السؤال الاساسي هنا: هل بيانات الاستنكار والزيارات المتبادلة بين المراجع الدينية وتبويس اللحى كافية لمنع الفتنة المتربصة بالبلاد والعباد واستطراداً في المنطقة عموماً، اذا ما قُدر للمخططين ان ينجحوا في اشعال فتيلها، انطلاقاً من لبنان لا سمح الله؟ وبالتالي من هي الجهة او الجهات التي لها مصلحة في ذلك؟
بداية لا بد من النظر بإيجابية الى ردات الفعل والمواقف المستنكرة التي حصلت باعتبارها تمثل إمكانات الحد الادنى لدى المعنيين والتي على أهميتها قد تكون كافية لحصر “نار الفتنة” في مكانها مرحلياً، في حين ان المطلوب منع حصولها في المطلق وليس معالجة تداعياتها، خصوصاً أن القادة السياسيين وعلماء الدين في لبنان والعالم العربي والاسلامي يعرفون ويدركون بأن لا سنّة وشيعة في الاسلام منذ الاساس. والاختلاف والخلاف كانا ولا يزالان اختلافاً وخلافاً في السياسة ليس الّا، وعلى سلطة دنيوية فانية وليس دينية على الاطلاق. ماذا الآن عن الجهة صاحبة المصلحة؟
في الحديث عن الجهة او الجهات أصحاب المصلحة في إثارة الفتنة السنّية – الشيعية خصوصاً والفتنة الطائفية او المذهبية عموماً يبرز اثنان:
الجهة الأولى: إسرائيل بطبيعة الحال هي المستفيدة الاولى والاخيرة من الفتن الطائفية والمذهبية بين العرب عموماً وبين المسيحيين والمسلمين خصوصاً، وهذا ما عملت عليه في الماضي داخل لبنان، وساعدها في ذلك عملاء محليون ودول اقليمية بطرق مباشرة وغير مباشرة، واتهامها لا يحتاج الى دليل لكثرة ما لديها من “فضائل” في هذا الاطار.
الجهة الثانية: النظام السوري الحالي “المترنّح”، ليس في فرعه الأمني فحسب بل ايضاً في فرع “حشّاشيه” المستجد على الساحة اللبنانية، وذلك للاسباب والمبررات الآتية:
1 – لتعمّ الفوضى في لبنان عبر نقله بعضاً من الصراع الدائر في سوريا الى الاراضي اللبنانية، ظنّاً منه ان مثل هذا الامر قد يريحهم في الداخل بعض الشيء.
2 – محاولة القول للقادة العرب وتحديداً للسعودية وقطر واستطراداً لتركيا، الدول الداعمة للثورة السورية إنّ نار الفتنة التي يمكن تصديرها الى لبنان قد تصل اليكم في اي وقت اذا لم تقبلوا بشروطي للتفاوض.
3 – ابلاغ الدول الكبرى برسالة مفادها انه لا يمكنكم حصر النار في الداخل السوري وان امتدادها الى لبنان سيهدد اسرائيل.
ماذا يعني هذا الكلام؟
هو يعني باختصار انه علينا انتظار المزيد من فتن “العفاريت” المتنقلة للمرحلة المقبلة وتحت عناوين مختلفة بعدما فشل فرع الحشاشين فيها في انجاح مهمته.