“الانجاز الابرز الأكثر اهمية وتأثيراً الذي حققته الثورة الشعبية في المواجهة مع نظام الرئيس بشار الاسد انها احدثت أعمق تحول شعبي – سياسي – استراتيجي – اجتماعي في تاريخ سوريا منذ الاستقلال، إذ انها قلبت جذرياً موازين القوى الداخلية والخارجية وانهت السلطة المطلقة للنظام على بلده وشعبه وأفقدته القدرة على حسم المعركة لمصلحته وعلى الانتصار سياسياً وإرغام المعارضين والثوار على الاستسلام له والخضوع لمطالبه وشروطه بطريقة تسمح له بمواصلة قيادة البلد. فنظام الاسد الذي كان يحكم سوريا بقبضة حديد من غير ان يواجه اي تحد امني أو شعبي أو سياسي جدي لسلطته، يجد نفسه بعد عامين على انطلاق حركة الاحتجاج امام خيارين يؤديان الى انهاء وجوده: الاولى ان الاسد لن يستطيع ان يوقف الحرب بقرار يتخذه وحده ويبقى في السلطة في الوقت عينه، بل ان وقف الحرب يتطلب موافقة المعارضين والثوار على هذه الخطوة ولن يتحقق ذلك ما لم يقبل النظام المطالب المشروعة للشعب المحتج التي تدعمها اكثر من 130 دولة، مما يؤدي الى سقوطه. الخيار الثاني ان يتمسك الاسد بالسلطة فيواصل حرباً تزداد شراسة وفظاعة وتؤدي الى تفكيك الدولة وانهيارها والى تعميق وتوسيع نطاق المآسي الانسانية التي يعانيها السوريون والى رحيل النظام في النهاية”. هذا هو تقويم مسؤول اوروبي بارز معني مباشرة بملف الأزمة السورية وشارك في الاتصالات المتعلقة بها.
وقال هذا المسؤول: “ان من الخطأ الحكم على أهمية الثورة السورية وتأثيرها وانجازاتها استناداً الى ما حققته على الارض في معركتها غير المتكافئة مع نظام يملك قدرات حربية وقتالية هائلة اذا قورنت بالقدرات المحدودة للثوار الذين تمكنوا، على رغم ذلك، من إنجاز مكاسب مهمة واستراتيجية انهكت هذا النظام واثارت الشكوك في صفوف بعض اركانه في جدوى مواصلة الحرب”. وأضاف: “ان الثورة الشعبية السلمية والمسلحة فجّرت تركيبة نظام الاسد وأنهت دوره واحدثت خمسة تغييرات جوهرية اساسية هي الآتية:
اولاً: انهت الثورة السلطة المطلقة للنظام إذ انه فقد سيطرته على مناطق واسعة وانتزعت منه القدرة على ادارة شؤون سوريا وفقاً لمصالحه وعلى معالجة المشاكل الضخمة المتعددة التي تواجهها، ففقد معظم ادوات الحكم باستثناء القدرة على مواصلة القتال ضد ثوار ومعارضين يرفض الاعتراف بوجودهم ويتهمهم بالارهاب.
ثانياً: انهت الثورة دور النظام كممثل شرعي وحيد للشعب السوري إذ ان الغالبية العظمى من الدول العربية ضمن اكثر من 130 دولة في العالم تعترف بـ”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” ممثلاً شرعياً للشعب وتقدم له الدعم من أجل تغيير النظام القائم. ولم يسبق لاي نظام سوري أن واجه تحدياً داخلياً واقليمياً ودولياً كهذا.
ثالثاً: ضربت الثورة العلاقات والروابط المختلفة والمتنوعة بين نظام الاسد ومجموعة كبيرة من الدول العربية الاقليمية والاسلامية والغربية والتي كانت تشكِّل مصدر قوة وحماية له ومصدر دعم كبير في المجالات السياسية والديبلوماسية والعسكرية والمالية والاقتصادية والاستراتيجية فصارت هذه الدول معادية له تعمل على إسقاطه.
رابعاً: احبطت الثورة رهان الاسد على الانتصار من طريق استخدام الخيار العسكري – الامني، بل ان هذا الخيار اسقط سوريا في دوامة حرب متواصلة ومواجهات بالغة الشراسة الحقت بها الكوارث والدمار والخراب الهائلين مما دفع الكثير من المسؤولين الى القول “إن سوريا التي نعرفها انتهت ولن تعود كما كانت سابقاً وإن النظام القائم ليس قابلاً للحياة”.
خامساً: نجحت الثورة في إدخال البلد في مرحلة تغييرات جذرية غير مسبوقة إذ ان النظام لن يستطيع بناء سوريا الجديدة، والاطراف السوريون عاجزون وحدهم عن التفاهم على مستقبلهم وعلى صيغة للتعايش السلمي بينهم، مما يتطلب تدخلاً دولياً – اقليمياً جدياً وحازماً من أجل انجاز اتفاق يفرض وقف الحرب ويحدد، بالتفاهم مع الافرقاء المعنيين، اسس نظام جديد مختلف جذرياً عن النظام القائم وصيغة جديدة عادلة لتقاسم السلطة بين مكوّنات الشعب السوري تنسف الصيغة الراهنة وتساعد على انجاز المصالحة الوطنية وضمان الامن والسلم الاهلي والاستقرار. وخلص المسؤول الاوروبي الى القول: “اثبتت تطورات الاحداث ان نظام الاسد اتخذ القرارات الخاطئة فخسر المعركة فعلاً ولم تبقَ له سوى سلطة مواصلة حرب لن تنقذه، وتؤدي، في اسوأ الاحوال، الى الانهيار الكامل للدولة، وفي افضل الاحوال الى إنهاء الحكم المتسلّط المستبد وولادة سوريا الدولة المدنية الديموقراطية التعددية المتصالحة مع ذاتها ومع محيطها العربي والتي ستحقق لابنائها مطالب مشروعة يحلمون بالحصول عليها منذ عقود طويلة”.