موافقة “القوات” و”الكتائب” على قانون “اللقاء الأرثوذكسي” قطعت طريق الشام على الإنقلاب
اكتملت فصول إنقلاب “حزب الله” على الدولة اللبنانية بنجاح “مُتَقَطِّعٍ”. ليس القصد من هذه العبارة الاستهلالية لا المبالغة ولا التهويل. نحن كمن يواصل رمي النرد في لعبة “طاولة الزهر”، ولدينا عشرة احجار ولدى الخصم حجران، والأدهى أن “الحدفة” من يديه! تم الإنقلاب ولكن إعلان الإنقلاب مؤجل الى ما بعد بعد دمشق.
سأبدأ من آخر فصول الإنقلاب، لأن بدايته، في “7 ايار”، أصبحت أمراً عادياً الى درجةِ التأقلمِ مع هول ما حصل. آخر فصل للإنقلاب الناجز تَمَثَّلَ في محاولة شطب رئيس الجمهورية من المعادلة السياسية، وانتزاع نهائي لورقة التين الحكومية عن نجيب ميقاتي. الآن تأكد أن دعوة “حزب الله” لتشارك “14 آذار” في الحكومة، كانت دعوة غير صادقة. من لا يريد لرئيس الجمهورية اي دور وإن حيادي، ولا يتوانى عن تنصيب “رؤساء وزراء” عدة، في الحكومة الواحدة، جاعِلاً من نجيب ميقاتي متقدماً بين متساوين، يعني أنه قرر شن حرب إلغاء حتى على “الوسطيين”.
ضاق “حزب الله” ذرعاً برمزي السلطة التنفيذية، فحاصرهما في كل تحرك خارجي. وفي كل موقف داخلي. في كل وزارة وصولاً الى مجلس الوزراء. في كل مراحل الطريق الى الانتخابات وصولا الى الدستور. حتى ماء الوجه، لم يُحفظ لهما. انتهى دورهما. سقطت الدولة هيبة ورموزا ومؤسسات وتعيينات. كل ما تبقى لنا “دولة مع وقف التنفيذ”. لقد أُكِلَ نجيب ميقاتي يوم أُكِلَ وليد جنبلاط. القضم وقع في “7 ايار”، والهضم جاء في “الأيام الملتبسة” للمشاورات النيابية المُلزِمة. مع بداية ربيع 2013، وفي 22 آذار، أَدخَلَ “حزب الله” طَبَقَ الإنقلاب الى قصر بعبدا وأَكَلَهُ بارداً، وفي زمن الصوم المسيحي! ووقف ميشال عون على مزبلة سمّاها “الطائف” وصاح. لماذا يؤجل “حزب الله” إعلان الإنقلاب الى ما بعد بعد دمشق؟ الجواب يكمن في اعتبارات عدة.
الإعتبار الأول: إن “نظام الأسد” يخسر أقل في سوريا إذا ربح “حزب الله” أكثر في لبنان.
الإعتبار الثاني: لتتعادل موازين القوى بين إيران وأخصامها من أنظمة وشعوب عربية، يجب أن تسقط “دولة” لبنان، كما سقط “نظام” سوريا. العين بالعين. والسن بالسن. والنظام في سوريا بـ”الدولة” في لبنان!
الإعتبار الثالث: إسقاط لبنان “الدولة”، سيعطي “حزب الله” حصة أكبر في نظام لبناني مختلف في جوهر صيغته، وهويته، واستتباعاً في دوره.
الإعتبار الرابع: الصيغة الإنقلابية التي تُحاكُ لنظام لبنان، يجب أن لا تُبْصِرَ النور قبل أن تنقشع غبار المعارك الطائفية والإقليمية على ارض سوريا. في غرف مؤتمرات الشرق الاوسط الجديد، يمكن أن يتحول كتمان الأفكار أو فظاظتها أفكاراً قابلة للبحث وللمساومة ومسائل “فيها نظر”.
الإعتبار الخامس: لا يمكن أن يبقى “شيء” للنظام العَلَوي، في سوريا “الدولة الجديدة”، إذا لم يكن هناك “أشياء” للدولة الايرانية في لبنان “النظام المنتظر”. كم يبدو سخيفا مبدأ “النأي بالنفس” الحكومي. نحن في معركة واحدة على أرضين في سبيل دولتين، وربما أكثر. ولم يكن بالإمكان ان نتفادى “وحدة المسار والمصير”، إلا بنأي لبناني- لبناني، وهذا ضد طبيعة التاريخ قبل أن تُحَتّمَهُ ضرورات المصالح.
الإعتبار السادس: قوانين الانتخابات اللبنانية ومواعيدها، ليست بمعزل عن هذا الميدان الواسع للمعركة المصيرية. ومن نظر الى الانتخابات المزمعة من غير هذا المنظار، كان أعمى البصيرة.
الإعتبار السابع: في ضوء ما سبق، أصبح حصول الانتخابات موازياً في الاهمية، لأي قانون يجب أن يتفق عليه اللبنانيون. من هنا بعضُ مَنْ عارضَ قانون “اللقاء الارثوذكسي”، لم يحسب أن عدم إجراء الانتخابات أسوأ من سيئات هذا القانون. غرقوا في تعداد المقاعد لدولة ستصبح بلا سقف. حزبا القوات اللبنانية والكتائب، كشفا خطة “حزب الله” من وراء موافقته الملغومة على قانون “االلقاء ألارثوذكسي”. كانت الخطة ذكية. اذا رفضت “القوات” و”الكتائب” القانون، تخسَر مسيحياً. واذا قبِلَت، تخسر في “14 آذار” المسيحيين والمسلمين! تصرف الحزبان من منطلق استراتيجي، فأغضبا الأخصام والحلفاء. ولكن أن تخسر في الرأي العام المسيحي أو الرأي العام السُني أمر يمكن أن يُعوَّضَ، لأنه شأن في السياسة. ولكن أن تخسر في هوية لبنان ودوره فمسألة لا تحتمل المخاطرة لأنها تلاعبٌ في المصير.
الإعتبار الثامن: لم يستطع “حزب الله” أن يركب مركب قانون “اللقاء الارثوذكسي” لِيُنَفِّذَ انقلابه. بالحكومة التي صَنَعَها نَفَّذَ الإنقلاب. وأعلن عن حبه للفراغ والخواء، في مؤسسات الدولة المُجاوِرَةِ “لدويلته”. حتى تشكيل هيئة للإشراف على الانتخابات لم تعد ممكنة. في نظر “حزب الله” نحن “نخبص” خارج الصحن. اوروبا تُسَلِّحُ المعارضة السورية. والمعارك تُخاضُ في مناطق عسكرية تابعة “لحزب الله”، وإن بدت بعيدة من الهرمل، وهناك لبنانيون سذج يريدون قوانين انتخابات. بعضهم كثير السذاجة، فهو يريد قانوناً يمنحه أكثرية!
وافق حزبا “القوات” و”الكتائب” على “ذلك” القانون، فقطعا طريق الشام على الانقلاب. وعارضه تيار “المستقبل”، فقطع عليه طريق ساحة النجمة. رب ضارتين نافعتان. في ضوء كل هذه الإعتبارات، ما هي خطة “14 آذار” للإنقلاب المضاد؟