#adsense

الحرب على غزة ترتّب تداعيات على المحاور الإقليمية

حجم الخط

اسرائيل تسعى الى تبديل تداعيات هزيمتها في لبنان في لحظة انتخابية
الحرب على غزة ترتّب تداعيات على المحاور الإقليمية

ينظر المراقبون بقلق شديد الى الحرب على غزة من زاوية الاقتناع كليا بأن اسرائيل لن تسمح مجددا بتكرار نتائج حرب تموز 2006 والسماح لحركة "حماس" باعلان انتصارها على غرار ما فعل "حزب الله" في لبنان، فتستمر الحركة في اطلاق الصواريخ من غزة على البلدات الاسرائيلية او تعلن انتصارها بصمودها فحسب والمحافظة على وجودها السياسي والعسكري قويا على ما اعلن بعض قادتها في وقت سابق من الاسبوع الدامي. ويخشى هؤلاء ان يكون ذلك مبررا قويا لعدم رغبة اسرائيل في انهاء الحرب او القبول بالتهدئة في السرعة المطلوبة، بل ربما لذهابها حتى الى حرب برية جزئية اذا تطلب الامر عدم ترك انطباع ان اسرائيل تقوم بحرب حيوية وتخشى الحرب البرية تفاديا لخسائر كبيرة بين جنودها. فعلى نتائج هذه الحرب التي اعلن وزير الدفاع ايهود باراك ان اسرائيل استعدت لها على غير ما كانت الحرب على لبنان قبل عامين تتوقف الانطباعات الجديدة حول اسرائيل في المنطقة وما اذا كان سهلا هزم اسرائيل الدولة صاحبة القدرة العسكرية الكبيرة على ما ساد اعتقاد عقب حرب تموز على يد قوى مقاومة مسلحة ام انها استعادت صيتها الذي ساد عقب الحروب بينها وبين الدول العربية، مع ما للامرين او الاحتمالين معا من مفاعيل ومترتبات ليس على اسرائيل وحدها بل على المنطقة ككل ايضا. وقد بدا واضحا الهاجس الذي يحكم اداء اسرائيل في الحرب على غزة بالسعي الى تفادي الاخطاء التي تعتبر انها ارتكبتها في حرب تموز بما فيها العودة الى لجان قانونية للاستيضاح عما اذا كانت ثمة تغطية لقصف مركز او وجود قيادي من "حماس" يضم من بين ما يضم عددا من المدنيين او حتى تفادي، او تجنب ارتكاب امور مماثلة تتعلق بالمدنيين. وتحرص اسرائيل على تحديد عدد هؤلاء حتى الان بنسبة قليلة من بين الضحايا من اجل استمرار تبرير حربها امام الرأي العام الدولي، خصوصا ان المجازر المدنية كانت في كل مرة نقطة ضعفها القاتلة في حروبها اقله على لبنان. ولذلك يغلب الكلام على ربع عدد الضحايا او حتى اقل من المدنيين تأكيد استهداف لعسكريين او لمقاومين والبنى التحتية لديهم وتفادي المدنيين الى الحد الممكن بالتزامن مع الطمأنة حيال وصول المساعدات الانسانية بقوة الى المدينة.

والواقع ان تداعيات الحرب الاسرائيلية على غزة لا تتوقف على انتصار اسرائيل كدولة فحسب، بل ايضاً على نتائج الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة، باعتبار ان خروج اسرائيل من هذه الحرب بكسب واضح لا يسمح بعودة الستاتيكو السابق المتعلق بهدنة متوترة وغير ثابتة واحتمال استمرار اطلاق الصواريخ، لان ذلك سيعزز فرص فوز وزيرة الخارجية تسيبي ليفني في الانتخابات، في حين ان حلاً لا يرضي اسرائيل كلياً بحيث لا تتوقف الصواريخ كلياً مثلاً وتستمر "حماس" في الامساك بقواعد اللعبة سيعزز فرص وصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة المقبلة. وتبدو فرص الاثنين متساوية راهناً بحسب استطلاعات الرأي. وقد لفت كثيرين رفض ليفني "الهدنة الانسانية" التي اقترحتها فرنسا وتوجهت الى باريس لشرح معارضتها لها، في وقت نُسبت الى باراك موافقته على مثل هذه الهدنة. وبهذا المعنى فإن الحرب الراهنة حاسمة في اتجاهات الانتخابات الاسرائيلية، علماً ان تداعياتها تنسحب على المنطقة ككل والمحاور الاقليمية السائدة.

فكما ان نتائج حرب تموز ساهمت بقوة في سريان واقع يضعه بعضهم في اطار استقواء محاور على محاور اخرى على المستويين العربي والاقليمي على الاقل كما على المستوى الدولي ايضاً، فإن للحرب على غزة مردوداً مماثلاً لا يقل اهمية. فإما ان يعزز الاتجاه الذي انطلق في حرب تموز واما ان يساهم في قلب المشهد ليس فلسطينياً فحسب بل عربياً واقليمياً ايضاً. والانعكاسات لن تطول وضع غزة إنما ستطول بالاهمية نفسها وضع حركة "حماس" وحتى وضع "حزب الله" وصولاً الى القوى الاقليمية الداعمة لهاتين الجهتين. ففي القراءة السياسية لما هو ابعد من سقوط الضحايا بالمئات والجرحى بالآلاف والتي تختفي وراء الاستنكارات المنددة بالمجازر التي حصلت وتحصل، وحتى وراء الحملات السياسية على هذا البلد او ذاك باتهامات مختلفة، ان هناك اموراً متعددة كبيرة على المحك في هذه الحرب. فكما ان انتصار الحزب في حرب تموز ساهم في تقوية عزيمة الفلسطينيين وتصميمهم على الحاق الهزيمة باسرائيل فإن تصميم اسرائيل في المقابل على عدم ترك حرب تموز تتكرر يفرض اخذ المعطيات الجديدة في الاعتبار، بما يؤدي الى حسابات دقيقة لا تسمح بخوض معارك فعلية عشوائية او من دون دراسة عميقة لكل الامور. وهذه الامور الدقيقة هي التي تدفع بعض الدول ليس الى السعي الى المعالجة وانهاء الحرب في اسرع ما يمكن بل الى التهديد والوعيد على وقع المخاوف من المترتبات التي يمكن ان تقود اليها.

ولذلك سيطبع الحل الذي سيركب في النهاية المرحلة المقبلة بقوة على اصعدة عدة ابعد بكثير من الموضوع الفلسطيني – الاسرائيلي وحده.

المصدر:
النهار

خبر عاجل