عام المحاكمة وعام المشروعية الانتخابية
كنا نأمل أن مؤتمر أنابوليس سيأتي بجديد على الشعب الفلسطيني قبل نهاية العام ونهاية الحقبة البوشية، إلا ان ما يحدث حالياً ضد الفلسطينيين الأبرياء هو عكس ما توقعناه من حملة تصفية وإبادة، لا تبررها التذرعات الإسرائيلية مهما كانت صفتها وغطاءاتها أو تلك الردود الصادرة عن المواقف الأميركية المنحازة لإسرائيل. هذا ويجب ألا نتغافل عن الممارسات الضاغطة داخل المحيط الفلسطيني من قبل عواصم اقليمية ستتحمل قسطاً بما آلت اليه الأوضاع الفلسطينية نتيجة المحاولات للاستفادة منها دفاعاً عن مشروعاتها التوسعية الثورية، أو البحث عن مكاسب تفاوضية على حساب شعوب ما زالت ضحية الاعتداءات والاستهدافات. أما بالنسبة للبنان فيبقى مصيره في خضم التجاذبات الساخنة في وضع لا يؤشر على دوام التهدئة الحالية، تعود عوامله أساساً الى سوء النوايا الاسرائيلية في كيفية تقديم التنازلات والتراجع عن همجيتها العدوانية وانتهاكاتها السافرة من جهة، وكذلك بربط القوى الاقليمية مصائرها بمصير لبنان من جهة أخرى، خصوصاً أن المحكمة الدولية ستشكل عاملاً مؤثراً في أوضاع المنطقة، دون قطع النظر عن أن الانتخابات النيابية ستبين من يأبى استخدام ساحات الدولة ضد التدخلات الضاغطة والتحالفات المهددة.
وفي هذا الاتجاه، اياً كانت الأمور فإن المحكمة الدولية التي تتخوف منها جهات مسؤولة وشخصيات ضالعة قد أتمت معظم الترتيبات لأداء وظيفتها التحكيمية، بدءاً بالتحقيقات على وشك استكمالها خلال الشهرين المقبلين، عملاً بما أشار إليه القاضي الكندي دانيال بيلمار في تقريره الثاني الشخصي والتقرير الحادي عشر الأممي الكلي، وعبوراً بالتحضيرات المكثفة المتسارعة بالإمكانيات الضرورية للمباشرة في إجراءات الادعاءات لإصدار أحكام قضائية. كما لا يغفل بأن التحريات الاستقصائية وتجميع المعلومات التأسيسية مورست عليها السرية الكاملة ليس حفاظاً على السير العام للتحقيق أو صوناً لسلامة الشهور، وإنما حماية للبيئة الأمنية التي شهدت اهتزازات تفجيرية ومواجهات صدامية التي كان خطرها لا يهدد عملية التحقيق وانما ايضاً ضرّ بالمصلحة العامة اللبنانية. اذا كان البعض يشكك في مهمة القاضي الدولي الحالي بكفاءة جدارته للتوصل الى عين الحقيقة جراء تأجيله موعد انطلاقة المحكمة الى شهر آذار المقبل، وهو نفس الطرف الذي يدلي بأن ضعف المعلومات المحصلة هي التي فرضت نفسها على إرجاء جلسات المحاكمة. إلا أن هذه النظرات الضيقة طاغية في جوهرها لطمس الحقيقة والتغاضي عن الأيدي الإجرامية بكافة المحاولات والمجردات، إذ بالأمس اتهمت التحقيقات الأولية في تقرير الألماني ديتليف ميليس بأن الإجراءات والتحقيقات اتبعت نهجاً تسييسياً، فيما القاضي البلجيكي سرج براميتس قيل إنه لم يحصل على اثباتات تقود الى معرفة الحقيقة، شبه بما يتعامل معه مع القاضي الكندي دانيال بيلمار. لكن في الواقع ان التحقيقات متكاملة غير متجزئة أو منفصلة ومبنية على معطيات وبيانات ثم تفسيرات وفرضيات التي تفضي الى خلاصات واستنتاجات تكون مرجحة فعلياً الى كشف ملابسات الشبكة الاجرامية، المغزى أن التقرير الأخير ـ الحادي عشر ـ أقرّ حدوث تقدم في عملية التحقيق حتى أن بعض الأشخاص المتهمة عيناً بدأت تستعد لكافة الاحتمالات المتوقعة والتحضير نفسياً ومادياً وحتى اجتماعياً من ملاحقات الادعاءات القادمة، خصوصاً ان الرهان على افتعال الاضطرابات وموجات الانقلابات أحبط محورياً على الأقل الى حد الآن، باستثناء العملية الصهيونية على غزة وتوقف المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية قد تعيد خلط الأوراق اللبنانية عبر توسيع دائرة الحروب التي بعرقلة المحكمة الدولية عبر التغطية العمدية عن المتهمين المذنبين بعد ما سلكت التحقيقات تطوراً مذكوراً وأنجزت قفزات مهمة في هذا الشأن، دون صرف النظر أن اعلام اطلاق المحاكمة ليس هو نهاية التحقيقات وانما بهدف اعطاء قوة أكثر للأدلة الثبوتية، خاصة أن ربط جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بالجرائم الأخرى قد تساعد أكثر في قطعية الأدلة، فضلاً ان المقارنة بالمحاكمات الدولية الأخرى قد تسهل في الأحكام القضائية للمحكمة الدولية.
واذا كانت المحاكمة مطلباً حكومياً وشعبياً ومشروعاً عدلياً محقاً لفضح الباعثين والعابثين بالأمن الاجتماعي والسلم الأهلي، فلا خلاف بأن مشروعية الانتخابات النيابية ستتمحور معالمها على مشروع الأكثرية، التي قيل عنها بأنها وهمية، كأنما تضحياتها ذهبت هدراً وانجازاتها باتت افتراء ومشروعاتها وباء. فها هي الأكثرية تستعد للاستحقاقات الانتخابية وفي رصيدها مكاسب استطلاعية متقدمة على مستوى المراكز الانتخابية، وكذلك اكتساحها في القطاعات النقابية والاتحادات الطلابية سيضفي دليلاً آخر على أنها أكثرية واقعية رسمياً وشعبياً وليس خيالياً أو جنونياً. فهل تتقبل الأقلية في حال فوز الأكثرية بروح وطنية وبمعنويات معترفة بالهزيمة المكبدة؟ أم أسلحة الاتهامات وسيوف الطعون وراء الظهور ستصوب الى كل بيت نيابي؟ أو انها ستمزق جسد كل ناخب في مركز انتخابي للموالاة؟.