أسباب وعبر أحداث غزة
السبت 27 كانون الأول 2008، باشر الجيش الاسرائيلي هجوماً صاعقاً على قطاع غزة؛ اوقع في يومه الرابع 384 قتيلاً وأكثر من 1750 جريحا فلسطينياً، ودمر المواقع العسكرية والحكومية لحركة "حماس"، المسيطرة على القطاع. طغى الحديث عن مذبحة ومجزرة وقامت تظاهرات صاخبة على الاراضي الفلسطينية وفي الدول العربية والاسلامية، ندده بالعدوان الاسرائيلي.
الاستنكار والتنديد كان في محله، لكن الاهم او طرق الأهم المطلوب كاد ان يغيب عن أنظار المعنيين مباشرة او بصورة غير مباشرة بالموضوع: تمعن في الأسباب ومقاربة الحلول الجدية للمأساة.
في منتصف العام 2006، اقدمت حركة حماس على خطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط، مطالبة بالافراج عن السجناء الفلسطينيين في اسرائيل. ردت اسرائيل على ذلك بهجوم، اعتقلت فيه 35 نائبا فلسطينياً ما زالوا حتى اليوم قيد الاعتقال.
وفي كانون الاول 2008، تصاعد اطلاق الصواريخ من غزة باتجاه اسرائيل ووصل الوضع الى ما نحن فيه اليوم.
لمحة تاريخية
1 ـ في العام 1974، حققت "منظمة التحرير الفلسطينية بشخص رئيسها ياسر عرفات، انجازاً هاماً، هو قبولها عضوا مراقبا في هيئة الامم المتحدة.
2 ـ في العام 1993، كانت ولادة نواة السلطة الفلسطينية في مؤتمر اوسلو، وتولى رئاستها ياسر عرفات.. واليوم محمود عباس، وكان مقر الرئاسة في رام الله ـ الضفة الغربية.
3 ـ بعد انسحاب الجيش الاسرائيلي من غزة (في العام 2005) اقدمت "حماس" على تصفية وجود حركة "فتح" في القطاع واحكام سيطرتها عليه.. ونشأ الانقسام المريع بين حكومة اسماعيل هنية في غزة والرئاسة الفلسطينية، في رام الله، حيث اقدم الرئيس محمود عباس على حلها.
دخول ايران على الخط
القضية الفلسطينية هي اولا وخصوصا قضية عربية، ودخل عليها العنصر الايراني، كي يطمس طابعها ويوجه مسارها في شكل يعقدها بدل الاسهام في حلها. جادت طهران على حكام غزة الجدد بوافر المال والسلاح، لماذا؟ خدمة لسياستها الاقليمية، الداعية لالغاء دولة اسرائيل من الوجود. من هنا نظرية الشعب المقاوم، وصولاً الى هذا الهدف.
بغض النظر عن افق السياسة الايرانية على مدى الشرق الأوسط وطبيعة النزاع القائم بين الدول العربية وجولة اسرائيل، هناك مبدآن ينبغي ان يحكما تصرف دول المنطقة.
1 ـ مبدأ الغاء اي دولة هو مرفوض في المطلق.
2 ـ اي سلام عادل وشامل بين الافرقاء المتخاصمين يفرض على كل فريق ان يقدر مشاعر ومواقف الافرقاء الآخرين، بحيث يكون هناك مجال للتلاقي. الحقد والثأر والانتقام، لا يندرج في الاطار الصحيح، لا الشارع ولا الخطابات النارية، التي تثير الغرائز، تفيد وتقود الى الحلول. وهناك بعض المفردات وبعض العناوين، التي تبلبل الوضع وتخرج بعض الامور عن اطارها الموضوعي. مثلاً، "حركة المقاومة الاسلامية" في غزة ولبنان ايضاً لا تعبر في حد ذاتها عن معاناة الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني ايضاً، لأن بوصلة الاهتمامات الحقيقية والحيوية هي في غير مكان، لها اطر جغرافية ومضامين ادق وأوضح.
قيام الدولة الفلسطينية
المطلوب الاساس هو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في فلسطين الى جانب الدولة الاسرائيلية، دولة فلسطينية واحدة، لا دولتان: دولة في غزة، يستحيل قيامها، ودولة اخرى في الضفة الغربية، ليست بدولة.
ولا يتحقق المراد إلا بتوحد الفلسطينيين، تحت راية الرئيس القانوني محمود عباس.
القمة العربية التي انعقدت في بيروت العام 2002 وضعت الاساس السليم لحل القضية الفلسطينية: قيام دولة فلسطينية الى جانب الدولة الاسرائيلية.
والاجواء التي تحكم الوصول الى هذا الوضع، تفرض التخلي عن المزايدات.
مزايدات الشارع العربي لا تجدي… والصواريخ المنطلقة من غزة لا تشجع اسرائيل على المضي في عملية السلام.
صحيح ان اسرائيل ترد بعنف، هي قادرة عليه… ومن مصلحة الجانب الفلسطيني والعربي ان يعمل للتهدئة، كي يصل الى مبتغاه.
والجهد السياسي المدروس والمنسق هو الاسلوب الذي يؤدي الى صناعة الحلول.
دور الدول العربية
تتحمل الدول العربية المسؤولية الاولى، لتسهيل عملية قيام الدولة الفلسطينية.
التشكيك بنوايا بعض الدول العربية، او النظام العربي برمته غير مقبول. والحملة الجانية على مصر، التي سعت الى التهدئة في قطاع غزة هي غير مقبولة، ايضاً.
كانت مصر السباقة الى تحرير ارض المحتلة بالتفاوض مع اسرائيل. والتفاوض وحده هو السبيل الامثل لحل النزاع العربي ـ الاسرائيلي وكذلك التحارب لصنع الحلول، ولا الممانعات الصورية، التي تقودها سوريا او سواها.
حرب او حروب جديدة مع اسرائيل، لم تعد واردة، بالنسبة الى المجموعة العربية على الاقل.
جربت الحروب النظامية اربع مرات بين العامين 1948 و1973.
وليس هناك في الافق ما يشير او يمكن ان يشير الى امكانية او حتمية حروب شاملة اخرى بين العرب واسرائيل.
وتبدأ عملية السلام في المنطقة بالحرب على الحرب.
ويصاغ هذا السلام، باعتماد الاساليب المؤدية اليه. الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني هما الاكثر تشوقاً له.