
من كوّة في الاعتقال الظالم المظلم، خرجت السيدة الى نور الحق. لم تكتف انطوانيت شاهين، أشهر المعتقلات في سجون الاحتلال السوري للبنان، برواية حكاية الظلم والتعذيب التي دوّت تفاصيلها في حنايا الانسان اللبناني المناضل في سبيل الحرية، والمقاوم لمخرز ذاك الاحتلال الطويل، خرجت السيدة الى أروقة العالم تحكي الانسان، تخبر عن الجلاد حين يستعبد نعمة الله على الارض، حين يحتكر جسد انسان آخر ليحوّل الذل والكراهية الى انشودة الشياطين، ويمحو ما تبقى من انسانية فينا.
حملت انطوانيت شاهين ذل الاعتقال وجروح التنكيل وكبرياء المقاومة وحولتهم الى انشودة من نوع اخر. حملت حقوق الانسان لتصبح مندوبة فوق العادة، لانها ذات ليل انتهكت كل حقوقها. لم تشأ البقاء في الحقد والذاكرة المدمّرة، فجعلت من الذاكرة خزّانا تشرب منه المعاناة لتروي الاخرين مقاومة وكرامة، ومن الحقد نقلت اشعاعات المحبة والتسامح.
لم يبق بلاد تاجه حقوق الانسان لم يعرف بحكاية تلك السيدة، لم يبق منبر لم تسطع من فوقه معاناتها التي تحولت الى قضية انسانية بامتياز يستشهد بها كل انسان مسلوب الحقوق، من اميركا الى اوروبا الى استراليا الى العالم العربي، زرعت انطوانيت شاهين الانسان زهرة من رحيق الله. هذا حسبها منذ سنين وبعدما أطلقت الريح جناحيها من ذاك الاعتقال المهين.

آخر المحطات وليس آخرها بالتأكيد، بلاد حقوق الانسان، فرنسا. صارت تملك مفاتيح المدن هناك. سيد الاليزيه شاء أن تكون المناسبة يوم المرأة العالمي، ليبعث برسالة دعم واحترام لسيدة صارت تحمل صفة العالمية لانها تعرف كيف تسامح من دون ان تنسى قضيتها ولا دمغة جلادها، فوجهت لها دعوة خاصة وفتح قصر الاليزيه للمرة الاولى، لسيدة من الشرق تحمل قضية بهذا الحجم، وكان لقاء استثنائي مع الرئيس فرنسوا هولاند.
يومان في فرنسا جالت في خلالهما شاهين من مدينة لاخرى، تسلّمت مفاتيح “مارساي”، استقبلها بحفاوة بالغة رئيس بلدية “دينيو لو فان” وهناك تلقت ايضا ميدالية المدينة، جنوب فرنسا فتح لها قلبه واعجابه بنضال تلك الاتية من رحم القضية وشرق المعاناة. جالت مع وفد من منظمة العفو الدولية وزارت جامعة الحقوق الشهيرة هناك، وأيضا كانت لها زيارة خاصة الى أعضاء من المنظمة طلبوا أن تزورهم تلك السيدة المناضلة بعدما كانت أخبارها وتاريخها سبقها اليهم، كما حلّت ضيفة شرف على بلدية “كاديني”.
دعوة اخرى لبتها شاهين في ايامها الفرنسية المدوية بالاحتفاء، من الوزيرة يامينا بن غيغي ، ولعل المناسبة الاهم كان حضورها المؤتمر الدولي للنساء الفرنكوفون بمشاركة 400 امراة من أنحاء العالم وبحضور وزراء ونواب من دول فرنكوفونية متعددة، رفعت في خلاله توصيات ونقلت بعدها الى الرئيس الفرنسي ضمن الدعوة الخاصة التي وجهها قصر الاليزيه لشاهين.

لم تغادر شاهين فرنسا قبل ان تلتقي سفير حقوق الانسان هناك فرانسوا زيميري، الذي خصّها باستقبال رسمي بمشاركة فريق عمله، كما التقت وزيرة حقوق المرأة نجاة بلقاسم والسفير الفرنسي السابق في لبنان دوني بييتون والختام كان لقاء مع وزير الخارجية لوران فابوس.
وفي يوم العودة الى لبنان حوصرت انطوانيت شاهين بثلوج مارساي، فسافرت الى روما ومن روما الى بيروت، لتعود محمّلة بتفاصيل زيارة لم تكن عادية، حيث دوّت قصة السيدة من جهة وحكاية كل انسان منتهك الحقوق من جهة ثانية، في أرقى الاماكن التي تعتبر حقوق الانسان رسالة سماوية والانسان قيمة الهية مضافة.
انطوانيت شاهين ليست مجرد حكاية تروى، هي رسالة لبنانية عابرة للمسافات حين تريد أن تصرخ “كفى انتهاكا للانسان فهو وجه الله على الارض”…


Allah y2awike