دخل لبنان باستقالة الحكومة نفقاً مظلماً يضجّ بالخلاف على طبيعة الحكومة الجديدة ومهماتها، وبتعدد الأولويات بين تشكيل حكومة أو إقرار قانون انتخاب جديد أو استئناف حوار وطني لتنفيس الاحتقان رغم عدم تنفيذ مقرراته السابقة وعدم التزام “حزب الله” خصوصاً بـ”إعلان بعبدا” المبني على حياد البلد والذي وافق عليه الجميع في آخر الجلسات.
ويخشى ديبلوماسي لبناني سابق من أن يكون “حزب الله” قد ضحى بالحكومة أولاً ليحول فعلياً، خصوصاً مع قصر المهل الدستورية وعدم التوافق على قانون انتخابي، دون إجراء الانتخابات المقررة في التاسع من حزيران المقبل حتى يصبح تمديد ولاية المجلس الحالي حتمياً بانتظار جلاء مآل النظام السوري.
فأمس تلقى على التوالي رئيس مجلس النواب نبيه بري، الوحيد المالك في جيبه لورقة دعوة الهيئة العامة، مطلبين: الأول من نوابه ونواب “حزب الله” والعماد ميشال عون لعقد جلسة حصراً للتصويت على “مشروع قانون اللقاء الارثوذكسي”, والثاني من نواب “قوى 14 آذار” حاملين عريضة بتوقيع 69 نائباً، بمن فيهم رئيس الحكومة المستقيلة ووزراؤه ونواب وليد جنبلاط، لعقد جلسة لإقرار قانون للتمديد لرؤساء الأجهزة الأمنية.
فيما تنقل المعلومات الصحافية عن الرئيس بري أو مصادره معلومات متضاربة عن موعد الجلسة في النصف الأول من الشهر المقبل، تجمع على أن “قانون الفرزلي” سيكون البند الأول على جدول أعمالها يليه بند العريضة، لكأن في الأمر مقايضة: نمدد لرؤساء الأجهزة الأمنية مقابل حصولنا على قانون انتخابي يؤمّن لنا أكثرية مريحة لا يتحكم بها جنبلاط.
والسؤال: “هل سيستخدم مشروع “القانون الارثوذكسي” ستاراً لتمرير تمديد ولاية المجلس؟”.
ويلفت المصدر إلى أن هذا المشروع إذا فاز بالتصويت فسيتعرض للطعن من قبل رئيس الجمهورية، لكن إقراره يقضي على القانون النافذ حالياً أي “قانون الدوحة” الذي جرت وفقه الانتخابات الماضية خصوصاً بعد أن حالت “قوى 8 آذار” دون استكمال مقوماته الضرورية وهو ما تجلّى في قول الوزير مروان شربل: “في ظل عدم توفر الاعتمادات وعدم وجود هيئة للإشراف على الانتخابات (…) من المستحيل إجراء الانتخابات”، لافتاً الى انه سيطلب جمع النواب “والتمديد للمجلس حتى توفر ظروف الانتخابات”.
أما في حال سقوط المشروع في التصويت، إذا امتنع نواب “القوات اللبنانية” على الأقل عن دعمه لرفضهم طرحه طالما هناك مساعٍ مستمرة للتوصل الى قانون توافقي، فثمة احتمال ضعيف بطرح مشروع مختلط اكثري – نسبي حتى ان كان مشروع الرئيس بري نفسه لتشدّد عون ومن ورائه “حزب الله” في رفضه. فعدم التوافق على قانون ودفن القانون النافذ يعني أن الانتخابات لم ترجأ فقط بل ألغيت.
بذلك يصبح التمديد للمجلس الحالي حتمياً، لفترة تتراوح وفق التسريبات بين سنة أو سنتين، وهو ما يرغب “حزب الله” به لتخطي المرحلة الإقليمية الحرجة. لذا أكد عون أولوية أن لا تشكيل للحكومة قبل الاتفاق على قانون انتخاب، مذكراً بأن بلجيكا بقيت عامين في ظل حكومة تصريف أعمال. وفي هذا الاطار تنضوي موافقة الرئيس المستقيل نجيب ميقاتي على ترؤس حكومة جديدة بعد التمديد لمجلس النواب.
أما الرئيس ميشال سليمان الذي لن يبدأ نشاطاته قبل انتهاء عطلة عيد الفصح الثلاثاء المقبل، فيفضل التفاهم على قانون الانتخاب وعلى طبيعة الحكومة بين حيادية وتكنوقراطية أو انقاذ ووحدة وطنية حول طاولة الحوار الوطني. والخلاف قائم بين من يريد لهذه الحكومة بياناً وزارياً قائماً على “اعلان بعبدا” وبين من يريده مبنياً على شعار ثلاثية “شعب جيش مقاومة”. كما ترى “قوى 14 آذار” ضرورة في الاسراع بالتكليف انما وفق التدابير الدستورية التي تنص على استشارات نيابية ملزمة يمتلك الرئيس سليمان تحديد موعدها.
ويلفت المصدر الى أن “حزب الله” وحلفاءه باتوا متشدّدين، مع اقتراب سقوط الاسد، وتصاعد التوتر الايراني – السعودي بعد اعلان الرياض كشف شبكة تجسس تقف طهران وراءها، لاستكمال السيطرة على الأجهزة الأمنية بما يساعد على التحكم بمفاصل الدولة وبحماية السلاح الخارج عن سلطتها. لذا رفضوا تلبية مطلب رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي بالإبقاء على اللواء أشرف ريفي في رئاسة جهاز قوى الأمن الداخلي ولو كان الثمن خسارة حكومة قدموا الكثير من التنازلات سابقاً للحفاظ عليها من غض النظر عن تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الى طي ملف شهود الزور الذي شكل ذريعة الاطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري.
كما أن اقتراب سقوط النظام السوري كان من الأسباب التي حددت لميقاتي موعد استقالته إضافة الى ذريعة اللواء ريفي التي تعيد تعويمه بين أبناء طائفته. ويضاف الى ذلك ما ورط به وزير الخارجية عدنان منصور الحكومة “النائية بنفسها” كلامياً عن الحدث السوري إضافة الى تورط “حزب الله” العلني عسكرياً الى جانب الاسد.