|
|
||||||
وحدها جدران الرابية تعلم بما يدور في الإجتماعات التي يعقدها رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” ميشال عون مع حلفائه من حزب السلاح. في الرابية كل فريق يفصّل ويخيط بما تمليه عليه إرادة السيطرة وحبّ التسلّط الديكتاتوري الخارج عن إطار أي شرعية، دستورية كانت أو قانونية أو حتى شعبية. الطرفان حتما لا يجتمعان باسم الله، ولأنهما يجتمعان باسم السلاح فلا بدّ أن يكون شيطان الانتخابات “اللقاء الأرثوذكسي” ثالثهما. من هنا، وإن كان الغموض يلف كل اللقاءات بتفاصيلها الدقيقة فإن النوايا مكشوفة وأكثر من واضحة.
ففي حين أشار رئيس مجلس النواب نبيه بري الى “صعوبة إقرار الأرثوذكسي”، أعلن المعاون السياسي للأمين العام لـ “حزب الله” حسين الخليل من الرابية أن بري أكد أن “اللقاء الأرثوذكسي سيكون بندا أول على جدول أعمال أول جلسة يدعو إليها”. وتأتي تصريحات الخليل بعد ثلاثاء عاصف قدّم فيه الجنرال قانون الإنتخاب على كل القضايا التي يمرّ فيها لبنان، تاركاً النقاش في الحكومة الجديدة للقاء المنتظر. فالجنرال لا يمكنه أن “يقطع ويمضي” في الإطار الحكومي التأسيسي، وحده “حزب الله” هو من يقوم بهذه المهام التعجيزية التي يذلل عقباتها بقوة السلاح والقمصان السود.. انتهى اللقاء كما بدأ: “من بعد الأرثوذكسي ما ينبت حشيش انتخابات”!
إنها ليست المرة الأولى التي يزور فيها “حزب الله” عون في الرابية، طالما أن الأمور لا تستوجب بعد زيارة عون للأمين العام للحزب.. ويمكن اختصار لقاءات الخليلين بعون بأنها لا تتم إلا في الأوقات الحرجة أو الضاغطة التي تستدعي التفافاً على اللاشرعية وموقفاً موحداً من السلاح. ففي العام الماضي، كان “تفعيل عمل الحكومة” محور لقاء الرابية، أما في العام 2011 فالتقيا في الرابية أيضا حول “رفض تمويل المحكمة الدولية”، حينها ارتفع احتمال استقالة ميقاتي وكان الموقف موحدا “في حال استقالة ميقاتي، الذهاب باتجاه استشارات نيابية، وليصوّت معنا من يشاء”، وقبلها في العام 2010 كان محور الحديث أيضا المحكمة الدولية..
أما اليوم، فكل هذه الأمور تجتمع في لقاء واحد، لقاء جامع للحلفاء وللمواضيع نفسها مع إضافة موضوعي قانون الإنتخاب والتمديد للقادة الامنيين، فهل يعقل أن الطرفين لم يناقشا كل هذه المواضيع؟ تراكمت التعقيدات هذه المرة بين محكمة دولية وحكومة مستقيلة وتمديد للقادة الأمنيين، فيما عناصر “حزب الله” تغرق في وحول ودموية النظام السوري في حربه ضدّ ثورة الشعب.
لقاء الحليفين، الهدف منه رصّ صفوف الممانعة وسط تفكك لا يسلّم به “حزب الله” وارتياب يحاول أن يقنّعه الجنرال. كل ما يهمّ الأخير هو أن يحافظ على عدد نوابه ووزرائه، أما الثاني فهمّه السيطرة على كل مؤسسات الدولة، من خلال ما قاله الخليل عند سؤاله عن إمكانية أن تجمع قوى 14 آذار أكثرية لتسمية رئيس حكومة “هذا شأنهم لا مشكلة”. إجابة ديبلوماسية تتعارض مع أسلوب “حزب الله” في التعاطي مع الأمور. والأرجح أن تخلّيه عن التحكّم بمفاصل الدولة لن يكون بهذه السهولة.
هذا الحليف وذاك المسلّح، اتّفقا إذاً، بحسب الخليل، على ضوابط وخطوط محظورة، وتأتي إجابة “لا مشكلة” في إطار تلك الضوابط التي لن يفصحا عنها، لأنهما اتّخذا في شأنها قراراً يجنح نحو الفراغ وتعطيل كل مؤسسات الدولة وإفراغها من مضمونها.. وتنم إجابة “لا مشكلة” كذلك عن الخوف والإرتياب الذي يحاصرهما من ثورة الشعب في سوريا الى تكاتف قوى 14 آذار في لبنان..
“لا مشكلة”؟! لا بل إنها مشكلة “عويصة” بالنسبة إلى “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” أن تستعيد قوى 14 آذار أكثريتها العددية التي انتزعتها القمصان السود بقوة السلاح وأن يعود الرئيس سعد الحريري على رأس حكومة جديدة، وهي مشكلة بالنسبة الى الجنرال أن يفقد 10 وزراء في الحكومة ويخسر لقب “صاحب” أكبر كتلة نيابية في البرلمان.. إنها مشكلة لن يكون السلاح متفرغاً لحلحلتها، وحده مشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي” يتصدّى لها مترافقاً مع فراغ على مستوى الدولة. دستورياً، الأمر ليس بيدهما، والدستور يحوي قرارات وليس نوايا.. فأي قرارات سيطلقها كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب لإنقاذ لبنان؟