لعلّ مناسبة القيامة والتجدّد في مجال الإيمان والروح ، تفتح الأفق أمام التجدّد السياسي ، فيخرج لبنان من عهده القديم إلى رحاب ربيعه الفعلي وقيامته الحقيقيّة .
وقد أعطى الأسبوع الفائت ، من خلال معطى استقالة الحكومة الدخيلة على الحالة اللبنانيّة ، إشارات واضحة إلى انقضاء عهد وبدء عهد جديد .
ليس بعد الإستقالة كما كان قبلها ، على الأقلّ في مسائل ثلاث :
– سقطت بدعة ” الثلث المعطّل ” ، ومعه الثلاثيّة القاتلة ” شعب وجيش ومقاومة ” .
– وسقطت صيغة ” حكومة الوحدة الوطنيّة ” بمفهومها الشَلَلي الإنقلابي ، وألغامها التي فجّرت المفهوم الحقيقي للعيش المشترك والشراكة والميثاق الوطني .
– وسقطت قطبة ” المثالثة ” الخفيّة التي استبطنها مشروع الإنتخاب المذهبي ، وانكشف معها سرّ اندفاع ” حزب الله ” للمشروع تحت خدعة التسليم برغبة حليفه ” الكريم ” .
وهناك خطايا ثلاث لا يُمكن أن تتكرّر : إسقاط حكومة بفعل السلاح ، تفرّد فريق سياسي أو مذهبي بتسمية رئيسها الجديد خلافاً لإرادة طائفته ، وسطوة حزب أو تيّار واحد على ثلثها !
فليس من لبناني عاقل ، سياسيّاً كان أَم مسيّساً أَم عاديّاً ، يقبل بإعادة إنتاج صيغ حكوميّة وسياسيّة أثبتت، ليس فقط عقمها ، بل خطورتها على النسيج اللبناني وتوازناته ، وديمقراطيّة لبنان بثغراتها وعلاّتها .
إذاً ، على ركام ” الثلث المعطّل ” و ” حكومة الوحدة ” و ” الأرثوذكسي ” بمثالثته ، وعلى أنقاض حكومة المغامرة بالسلاح والمتاجرة بالإصلاح ، سيقوم بناء سياسي وحكومي جديد ، يجب ألاّ يكون فيه شيء من تلك الفيروسات التي كادت تقضي على المناعة اللبنانيّة ، وتهدم لبنان على رؤوس أبنائه .
فما هي الصيَغ السياسيّة والحكوميّة الممكنة في المرحلة الطالعة ؟
– سياسيّاً ، مشاريع إنتخابيّة ثلاثة ذهبت ، ولا تعود : قانون ال 60 ومشروعا ” الأرثوذكسي ” والدائرة الواحدة . وبدائلها تتراوح بين المختلط والدوائر الصغرى أو الفرديّة . ومستقبل قانون الإنتخاب بات محصوراً في هذه البدائل .
– حكوميّاً ، ومع سقوط تجارب التشكيلات الأربع بين 2008 و 2013 ، باتت الخيارات في التشكيلة العتيدة محصورة بين صيغتيْن : إمّا حكومة تحضيريّة للإنتخابات ليس فيها مرشّحون برئيسها وأعضائها ، وتكون من شخصيّات مستقلّة ذات خبرة ، غير مرتبطة عمليّاً بقوى وأحزاب سياسيّة ، ولو كانت متعاطفة نظريّاً . وإمّا حكومة سياسيّة من تآلف ” 14 آذار ” ووسطيّين ، في حال كان الإتّجاه إلى أكثر من تأجيل تقني ، أيّ تمديد طويل لمجلس النوّاب .
وتبقى فكرة حكومة أقطاب : مثيرة للآمال ، لكنّها صعبة المنال .
فهي صورة مصغّرة عن ” حكومة الوحدة ” التي تمّ تفجيرها في ال 2011 . وإذا اصطدم الأقطاب هذه المرّة ، فعلى الدنيا السلام !
وعلى قاعدة ” ربّ ضارّةٍ نافعة ” ، قد يكون لبنان استخلص الدروس والعِبَر من تجاربه المريرة بعد ” الدوحة ” وقبلها ، وتعلّم فنّ عدم تجريب المجرَّب ، وعدم تخريب غير المخرّب .
وربّما كان اختبار الثنائي ” حزب الله ” – عون ضروريّاً ، برغم أثمانه الثقيلة ، كي يخرج بعض اللبنانيّين من وهم ” الإصلاح والتغيير ” وقدسيّة سلاح ” المقاومة ” . فلو حِيْلَ بينهما والسلطة ، لَظلاّ يوهمان الناس ب ” طهارتهما ” ، ويستثمران عقدة ” الحرمان ” !
الآن ، بات مستقبلهما وراءهما ، وبدَأَا عدّهما العكسي .
أمّا أهل العبور إلى الدولة فأمام التحدّي الجديد ، حكومةً وانتخابات ، كي يربح اللبنانيّون لبنان .